الحرب على إيران: هل نحن أمام لحظة إعادة تشكيل كبرى؟
التونسيون- تقارير
في كل مرة يتكثف فيها الحشد العسكري الأمريكي حول إيران، يعود السؤال نفسه:
هل نحن أمام مناورة ردع؟ أم أمام مقدمة حرب كبرى ستعيد رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط — وربما في العالم؟
المؤشرات الميدانية توحي بأن مستوى التجييش ليس اعتياديًا. غير أن التاريخ يعلمنا أن الحشود العسكرية ليست دائمًا إعلانًا للحرب، بل قد تكون أداة تفاوض قصوى. ومع ذلك، فإن السياق الدولي الحالي يجعل الاحتمال مختلفًا هذه المرة.
لسنا فقط أمام توتر أمريكي–إيراني. نحن أمام لحظة تحوّل في بنية النظام الدولي نفسه.
منذ سنوات، والولايات المتحدة تعيش قلق أفول الهيمنة. الصعود الصيني المتسارع، التحدي الروسي، التفكك الأوروبي النسبي، والارتباك الداخلي الأمريكي… كلها عناصر تجعل المؤسسة الاستراتيجية في واشنطن تفكر بمنطق “إعادة الضبط الكبرى”. في هذا السياق، تبدو إيران عقدة جيوسياسية أكثر منها مجرد خصم إقليمي.
إيران تعني مضيق Strait of Hormuz.
تعني شبكة نفوذ تمتد من العراق إلى لبنان.
وتعني قبل ذلك وبعده تهديدًا وجوديًا في الوعي الأمني الإسرائيلي.
من هنا يمكن فهم القناعة الأمريكية–الإسرائيلية بأن “الفرصة مواتية”. فإضعاف طهران — أو حتى إسقاط نظامها — قد يُقرأ كإعادة ترتيب للمنطقة على نحو يضمن أمن إسرائيل ويعيد تثبيت الهيمنة الأمريكية في مواجهة الصين، عبر التحكم في شرايين الطاقة.
لكن السؤال الأعمق ليس: هل تستطيع واشنطن ضرب إيران؟
السؤال هو: ماذا بعد الضربة؟
تجربة Iraq War لا تزال حاضرة. الحرب التي كان يفترض أن تؤسس لشرق أوسط أمريكي مستقر، انتهت إلى تعزيز النفوذ الإيراني نفسه. الحروب الكبرى كثيرًا ما تُنتج نتائج عكسية. القوة العسكرية لا تعني بالضرورة سيطرة سياسية مستدامة.
ثم إن إيران اليوم ليست العراق بالأمس.
هي دولة ذات عمق ديمغرافي وجغرافي، وقدرات صاروخية، وشبكات حلفاء عابرة للحدود. أي مواجهة مفتوحة قد تتحول إلى حرب إقليمية ممتدة، تلامس أسواق الطاقة العالمية، وربما تدفع الصين وروسيا إلى أشكال دعم غير مباشر.
هل الحرب حتمية إذن؟
لا أعتقد أن الحتمية هي الكلمة الدقيقة.
الأدق أننا أمام “لحظة قابلية مرتفعة للحرب”.
هناك في الداخل الأمريكي من قد يرى في التصعيد فرصة للهروب من انقسامات داخلية تضغط على أي إدارة، بما فيها إدارة Donald Trump إذا عاد إلى المشهد. تصدير الأزمة إلى الخارج تكتيك قديم في السياسة الدولية. لكنه محفوف بالمخاطر حين يتعلق الأمر بقوة إقليمية بحجم إيران.
المفارقة أن الحرب — إذا اندلعت — قد لا تعيد تثبيت الهيمنة الأمريكية، بل قد تسرّع تفكك النظام الدولي الذي تحاول واشنطن ضبطه.
فالتحولات الكبرى لا تُدار دائمًا بالقصف، بل بإعادة بناء الشرعية، والتحالفات، وموازين القوة الاقتصادية.
نحن إذن أمام مفترق طرق:
إما تصعيد مضبوط يُستخدم كورقة تفاوضية قصوى،
وإما انزلاق إلى مواجهة قد تعيد تشكيل الإقليم على نحو لا يمكن التنبؤ به.
في زمن التحولات الشاملة والمركبة، لم تعد الحروب مجرد معارك عسكرية؛
إنها رهانات على شكل العالم القادم.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بهدوء:
هل تريد واشنطن حقًا حربًا لإعادة تشكيل النظام الدولي؟
أم أنها تستخدم شبح الحرب لتفاوض على موقع أفضل داخل نظام يتغير على كل حال؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي لهذه اللحظة.



Comments