الحرب في زمن الإعلام الشبكي
كشفت الحرب المفتوحة منذ ثلاثة أسابيع بين الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل من جهة و الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة ثانية، عن تراجع شبكات الإعلام التقليدي- الإعلام الجماهيري خاصة كبريات القنوات التلفزيونية -، لصالح ما يمكن ان نطلق عليه بالإعلام الإلكتروني، خاصة مع تنامي نفوذ مواقع التواصل الاجتماعي و تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فهو على خلاف شبكات الإعلام التقليدي، إعلام حيوي وتفاعلي ومتخفف من الرقابة الرسمية التي تخضع لها القنوات التلفزيونية، التي كانت في السابق تحتكر التغطية الإعلامية للأحداث الكبرى في المنطقة و العالم، على غرار شبكة قناة الجزيرة التي انفردت بتغطيات حروب الخليج السابقة، و حروب اسرائيل مع الفلسطينيين، وهو حضور آخذ في الأفول مقابل هيمنة الإعلام الشبكي اللحظي و الغير خاضع للحسابات السياسية.
فهل يمكن المجازفة بالقول بتراجع الإعلام التقليدي الجماهيري – البيروقراطي- لصالح الإعلام الشبكي التفاعلي و المتحرر من سلطة الرقيب؟
كشفت الحرب المفتوحة منذ أيام بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عن تحول عميق في بنية الحقل الإعلامي العالمي. فإلى جانب كونها مواجهة عسكرية واستراتيجية، تبدو هذه الحرب أيضاً اختباراً جديداً لطبيعة تحولات الحقل الإعلامي في الزمن الشبكي.
فخلال العقود الماضية، كانت القنوات التلفزيونية الكبرى هي التي تحتكر تقريباً سردية الحروب الكبرى. فقد ارتبطت صورة حرب الخليج مثلاً بتغطيات CNN، كما ارتبطت حروب الشرق الأوسط و الانتفاضات الفلسطينية بتغطيات قناة الجزيرة القطرية التي فرضت لسنوات إيقاعها الخاص على المجال الإعلامي العربي والدولي.
أما اليوم، وفي زمن التحولات الكبرى فيبدو أن مركز إنتاج الخبر قد انتقل تدريجياً من المؤسسة الإعلامية إلى الشبكة الرقمية.
فالحدث لم يعد يُبث ويتابع من داخل غرف اخبر الـ الاستوديو ، بل اصبح يتشكل وينتشر لحظة بلحظة داخل فضاء مفتوح تتحكم فيه منصات مثل X وTelegram وTikTok و Facebook
في هذا الفضاء الشبكي، لم يعد الصحفي محتكرا لإنتاج الخبر وبناء السردية التي يريد حوله. بل تحول إلى كل فرد له جهاز هاتف ذكي ومرتبط بشبكة الإنترنت، وكذلك الخوارزميات المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت تشارك بقوة وفاعلية في إنتاج الصورة والسردية.
وهكذا يتحول الإعلام من منظومة عمودية/ هرمية واضحة، إلى شبكة عنكبوتية لامركزية و متشعبة.
لكن هذه الحيوية، لها ضريبة وكلفة باهضة ، ولها ايضا ثمن معرفي واضح. فالإعلام الشبكي، رغم سرعته وتفاعليته، إلا أنه يفتح المجال أمام فوضى سرديات غير مسبوقة. فبين الفيديوهات السريعة، والتسريبات الرقمية، والصور التي يصعب التحقق من مصدرها، يصبح الحدث الواحد قابلاً لأن يُروى في عشرات النسخ المتناقضة. وهكذا نسقط في فخ التلاعب بالسرديات و بالعقول الذي له آثاره السلبية المتعددة و الخطيرة .
من هنا يمكن القول إننا لم نعد نعيش فقط حروب الجيوش، بل أيضاً حروب السرديات الرقمية، وهذا ما اكدته بوضوح الأيام الستة الأولى من حرب ترامب على ايران.
ففي زمن الشبكة، لا يدور الصراع في ساحات المعارك العسكرية فحسب، بل أيضاً في فضاء الخوارزميات والمنصات الرقمية، حيث تتنافس الروايات و السرديات المختلفة على تشكيل الرأي العام العالمي.
لكن، هذا الحضور الكبير و المؤثر للإعلام الشبكي ومنتجاته، لا يعني هذا التحول الكبير و اللافت نهاية الإعلام التقليدي بقدر ما يعني إعادة تعريف دوره.
فمع سرعة الشبكات الرقمية وفوضى المعلومات وحالة الانفلات المصاحبة لها، فان القنوات الكبرى مازالت تلعب دورا مختلفا: ليس احتكار الخبر كما كان في السابق، بل محاولة تنظيمه وتفسيره ولما لا حتى ” تأطيره” داخل بحر متلاطم من المعطيات و البيانات .
باختصار، وفي زمن التحولات المتسارعة وفي مجال الحقل الإعلامي، نعيش لحظة انتقال لافتة في نظام الإعلام العالمي:
انتقال، من إعلام جماهيري مركزي، إلى إعلام شبكي متدفق و “بلا رقيب او حسيب”، حيث يصبح الخبر نفسه ساحة أخرى من ساحات الصراع.



Comments