الكتابة في الزمن الشبكي .. بين الإنسان والآلة
كتب: منذر بالضيافي
البحث في ماهية الكتابة، مبحث قديم ومتجدد، وعاد للسطح بقوة مع العصر الشبكي ، ونعني هنا زمن التحولات الكبرى ورافعتها الأساسية الثورة الرقمي الشاملة – كل نواحي النشاط- و المتسارعة، في هذا الإطار بدأ يكثر الحديث عن الكتابة ودور الكاتب في ظل تنامي حضور أدوات الذكاء الاصطناعي.
وبالمناسبة، اريد ان ابدي بعض الملاحظات:
ان الكتابة، أيًّا كان جنسها الأدبي – مقالة صحفية، قصة، رواية، أو مؤلف بحثي أكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية – تظل في جوهرها فعلاً ثقافياً وإنسانياً مركباً. فهي تشترط، في تقديري، ثقافة واسعة، وقدرة على التعبير بلغة وأسلوب يكونان في متناول أوسع شريحة ممكنة من القراء/ الجمهور، كما تتطلب شرط الموهبة الحقيقية التي تصقلها لاحقا التجربة والممارسة L’exercice .
هذا التفاعل بين الثقافة والموهبة والتجربة هو ما يمنح النص المكتوب، بحثاً كان أو إبداعاً، روحه وفرادته وعمقه ومدى الإضافة التي يقدمها. فالنص الجيد لا يُقاس فقط بما يحمله من معلومات أو أفكار، بل أيضاً بما يتضمنه من حساسية فكرية وجمالية، ومن قدرة على التقاط المعنى في تفاصيل الواقع الإنساني ( هنا انتصر لخلفيتي المزدوجة: الممارسة الصحفية و التكوين السوسيولوجي ). لذلك تبقى الكتابة البشرية. – في تصوري – متميزة عن الكتابة الآلية التي تنتجها روبوتات الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت درجة تطورها وحرفيتها، إذ تبقى كتابة بلا روح.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره منافساً للكاتب، بقدر ما هو أداة معرفية جديدة يمكن أن تسهم في تطوير مهارات الكاتب وتوسيع أفق اطلاعه. فهذه الأدوات قادرة على المساعدة في جمع المعلومات، وتنظيمها، واقتراح محاور للنقاش والتحليل، وهو ما يتيح للصحفيين الجادين و للباحثين والكتاب ربح الوقت وتوجيه جهودهم نحو تعميق التفكير والتحليل.
لكن، ما يجب التأكيد عليه، هو أن هذه المساعدة التقنية لا تعوض متعة و لذة البحث التي يجدها الباحث في العودة إلى الكتب والمراجع الأساسية الورقية، وفي التنقل بين النصوص والأفكار عبر القراءة المتأنية. فالمعرفة ليست مجرد معلومات مصففة و جاهزة، بل هي أساسا وفي المقام الاول تجربة حياة ومسار تراكم فكري، تتشكل عبر الحوار مع النصوص الكبرى في مختلف ميادين الفكر والإبداع.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يشبه، في وظيفته العامة، الآلات التي ساهمت عبر التاريخ في تسهيل عمل الإنسان في مجالات مختلفة: في الحقول الزراعية، وفي المصانع، وفي المناجم. فقد جعلت تلك الأدوات العمل أكثر سرعة وكفاءة. والأمر نفسه ينطبق اليوم على مجالات الفكر والمعرفة، حيث توفر التقنيات الرقمية خدمات مهمة للباحثين والكتاب، وتساعدهم على تحسين جودة أعمالهم من حيث اللغة والمنهج وتنظيم الأفكار.
غير أن القيمة الحقيقية للنص ستظل كامنة في الرؤية الفكرية التي تقف خلفه. فالأرجح أننا نتجه إلى مرحلة يصبح فيها الكاتب الجيد هو من يعرف كيف يستخدم الأدوات الرقمية بذكاء، دون أن يفقد طابعه الخاص أو حساسيته الفكرية. عندها لن تكون المسألة مجرد إنتاج نصوص بسرعة أكبر، بل القدرة على تقديم قراءة عميقة للعالم ومعانيه.
لهذا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لا يكتب بدلاً عن الإنسان ولا يعوضه، بل يوسّع قدرته على التفكير والبحث. أما روح النص، بما تحمله من تجربة ومعنى وتأويل، فستظل دائماً نتاجاً أصيلاً للتجربة الإنسانية.



Comments