بعد اعلان وقف الحرب: توجهات مراكز البحث الأمريكية والغربية .. من منطق الحسم إلى منطق التوازن: كيف أعاد وقف إطلاق النار تشكيل الصراع مع إيران
التونسيون- متابعات وتقارير-
يمكن صياغة تقدير موقف مراكز البحث الأمريكية والغربية (Think Tanks) تجاه قرار وقف إطلاق النار في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران ضمن ثلاث مستويات تحليلية مترابطة: تكتيكي، استراتيجي، ونظامي (Systemic). ورغم غياب تقارير مفصلة منشورة بعد ساعات قليلة من القرار، إلا أن قراءة الأدبيات الحديثة لمراكز مثل The Washington Institute for Near East Policy وInternational Institute for Strategic Studies، إلى جانب تسريبات الإعلام الأمريكي، تسمح بإعادة تركيب موقفها العام.
ليس وقف إطلاق النار في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران نهايةً للصراع بقدر ما هو لحظة انتقالية تعيد تشكيله وفق منطق جديد. فكما تشير تقديرات مراكز البحث الغربية، لا ينبغي فهم هذه الهدنة باعتبارها خاتمة عسكرية، بل باعتبارها إعادة تموضع ضمن صراع مفتوح، انتقل من طور المواجهة المباشرة إلى طور أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات التفاوض وإعادة بناء موازين القوى. لقد كشفت هذه الحرب، في أحد أبرز دروسها، حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية في بيئة إقليمية لم تعد تقبل الحسم السريع.
فبرغم التفوق التكنولوجي والعسكري، لم تتمكن واشنطن ولا تل أبيب من فرض نتيجة نهائية تُنهي التهديد الإيراني أو تُعيد صياغة سلوك طهران الاستراتيجي بشكل جذري. على العكس، أظهرت إيران قدرة لافتة على الصمود وإدارة التصعيد، مستفيدة من شبكة تحالفاتها الإقليمية ومن قدرتها على نقل المعركة إلى مستويات متعددة، بما في ذلك تهديد أمن الطاقة والممرات الحيوية. بهذا المعنى، لم تكن الحرب لحظة انتصار بقدر ما كانت اختبارًا لحدود القوة في نظام إقليمي شديد التعقيد.
في هذا السياق، يبدو وقف إطلاق النار أقرب إلى “هدنة عملياتية” منه إلى تسوية سياسية نهائية. فهو يعكس إدراكًا متزايدًا لدى صناع القرار في الغرب بأن كلفة الاستمرار في الحرب، سواء من حيث الاستنزاف العسكري أو التداعيات الاقتصادية العالمية، قد تجاوزت حدود المكاسب الممكنة. لذلك، يُفهم هذا القرار بوصفه إدارة للتصعيد لا إنهاءً له، وفتحًا لمسار بديل قوامه التفاوض غير المباشر، وربما لاحقًا المباشر، حول ملفات تتجاوز البعد العسكري لتشمل الترتيبات الأمنية الإقليمية.
الأهم من ذلك أن هذه الحرب وما أعقبها من وقف لإطلاق النار تؤشر إلى تحوّل أعمق في بنية النظام الإقليمي. إذ لم تعد الولايات المتحدة الفاعل الأوحد القادر على فرض قواعد اللعبة، بل باتت مضطرة للتعامل مع واقع أكثر تعددية، تتقاسم فيه قوى إقليمية ودولية أخرى أدوار التأثير والوساطة.
وفي هذا الإطار، يتعزز منطق “توازن الردع” بدل منطق “الحسم”، بما يعنيه ذلك من انتقال الصراع من محاولة الإلغاء إلى إدارة التعايش القسري بين الخصوم. من هنا، فإن المرحلة القادمة، كما تتصورها أغلب مراكز التفكير الغربية، ستكون تفاوضية بامتياز.
غير أن هذا التفاوض لن يكون مسارًا سلسًا أو خطيًا، بل عملية طويلة ومعقدة، تتخللها جولات من التصعيد المحدود والرسائل العسكرية المحسوبة. فالحرب لم تُحسم، بل تغيّر شكلها؛ والفاعلون لم ينسحبوا، بل أعادوا ترتيب أدواتهم. في المحصلة، يمكن القول إن وقف إطلاق النار لا يمثل نهاية الحرب، بل انتقالها إلى مستوى آخر: من صراع مفتوح بالسلاح إلى صراع مفتوح بالتفاوض، في سياق إقليمي ودولي يتجه نحو إعادة تعريف القوة ذاتها، ليس بوصفها قدرة على الحسم، بل كفاءة في إدارة التوازنات الهشة وإعادة إنتاجها دون الانزلاق إلى الانفجار الشامل .



Comments