بين أمريكا و ايران .. إدارة التفاوض تحت ظل القوة
منذر بالضيافي
تشهد منطقة الخليج والشرق الأوسط في المرحلة الراهنة حراكًا دبلوماسيًا وعسكريًا مكثفًا وغير مسبوق، يعكس دخول النظام الإقليمي لحظة سيولة استراتيجية عالية، تتقاطع فيها حسابات الردع، وتآكل الهيمنة، وصعود أنماط جديدة من إدارة الصراع. ورغم تصاعد المؤشرات العسكرية، لا توحي المعطيات المتوفرة بأن المنطقة تتجه حتميًا نحو حرب إقليمية شاملة، بقدر ما تشير إلى استخدام محسوب للقوة بهدف تحسين شروط التفاوض وإعادة ضبط موازين النفوذ.
لقد عاد الشرق الأوسط إلى صدارة الاهتمام الجيوسياسي العالمي، لا باعتباره مسرح أزمات محلية، بل بوصفه منطقة مركزية لأمن الطاقة، وحركة الملاحة الدولية، والتوازن بين القوى الكبرى. هذا التمركز الاستراتيجي يتزامن مع حالة إنهاك دولي عام، حيث تنشغل القوى الكبرى بأزمات متزامنة، وتواجه حدود قدرتها على فرض الاستقرار عبر الأدوات التقليدية.
في هذا السياق، يمكن قراءة الحشود العسكرية والرسائل الدبلوماسية المتشددة بوصفها جزءًا من منطق “التفاوض تحت ظل القوة”، حيث تُستخدم العسكرة كوسيلة ضغط لا كتمهيد مباشر للحسم العسكري.
المتحدة، على سبيل المثال، لا تبدو في وارد خوض حرب جديدة في المنطقة، لكنها تسعى إلى استعادة مصداقية الردع التي تآكلت خلال السنوات الأخيرة، ومنع خصومها من فرض وقائع استراتيجية جديدة، وطمأنة حلفائها دون الانجرار إلى التزامات طويلة الأمد.
من هنا فان الانتشار العسكري الأمريكي الراهن يعكس إدارة للتراجع لا انسحابًا، ومحاولة لضبط التوازن لا قلبه. في المقابل، تدرك إيران أن الحرب الشاملة تحمل مخاطر وجودية على النظام، لكنها في الوقت ذاته ترفض العودة إلى موقع الفاعل المحاصر. لذلك تعتمد طهران استراتيجية تصعيد غير مباشر، تقوم على استخدام الوكلاء ورفع منسوب المخاطر بصورة مدروسة، بهدف فرض الاعتراف بدورها الإقليمي وتحسين موقعها التفاوضي. هذا السلوك لا يستهدف الانفجار، بل إبقاء المنطقة في حالة توتر محسوب يمنع خصومها من تجاهل مصالحها.
أما دول الخليج، فقد انتقلت تدريجيًا من منطق الاحتماء الكامل بالمظلة الأمنية التقليدية إلى سياسة موازنة أكثر براغماتية. فالأولوية اليوم هي الاستقرار الاقتصادي والتنمية، ما يدفع هذه الدول إلى تنويع شراكاتها الدولية وتجنب الانخراط في مغامرات عسكرية واسعة. هذا التحول يشكّل أحد أبرز كوابح الحرب الشاملة، إذ يحدّ من إمكانية تشكّل اصطفافات صدامية صلبة.
ورغم هذا التصعيد المتحكم فيه، تظل الحرب الإقليمية الواسعة خيارًا مكلفًا وغير مفضل لجميع الأطراف. فالكلفة الاقتصادية العالمية لأي مواجهة كبرى ستكون مرتفعة، سواء من حيث اضطراب أسواق الطاقة أو تعطيل سلاسل الإمداد والملاحة الدولية. يضاف إلى ذلك غياب أي تصور سياسي واضح لمرحلة “ما بعد الحرب”، في ظل تجارب سابقة أثبتت محدودية القدرة على إعادة هندسة المجتمعات والدول بالقوة العسكرية. كما أن توازن الردع غير المتماثل القائم يجعل الحسم مستحيلاً دون انزلاق إلى فوضى شاملة.
ما يحدث فعليًا هو إعادة هندسة صامتة للنظام الإقليمي، لا عبر تغيير الخرائط، بل من خلال تفكيك التحالفات التقليدية، وصعود ترتيبات أمنية مرنة، وانتقال تدريجي من الهيمنة الأحادية إلى تعددية مضطربة. في هذا الإطار، تتحول القوة من أداة للحسم إلى أداة لإدارة التحول ومنع الانهيار.
بناءً على ذلك، يمكن ترجيح ثلاثة مسارات محتملة:
1/ أولها، وهو الأرجح، استمرار التصعيد المنضبط المصحوب بقنوات تفاوض غير معلنة وتسويات جزئية مؤقتة.
2/ ثانيها، انزلاق غير مقصود نتيجة حادث أمني أو سوء تقدير، يؤدي إلى تصعيد سريع ثم احتواء مكلف.
3/ أما ثالثها، وهو الأضعف، فيتمثل في حرب إقليمية واسعة، تتطلب قرارًا سياسيًا غير متوفر حاليًا نظرًا لارتفاع كلفتها وعدم ضمان نتائجها.
خلاصة القول إن المنطقة لا تقف على أعتاب حرب تعيد رسم الخرائط بقدر ما تقف أمام مرحلة ضغط قصوى لإعادة تعريف قواعد اللعبة الإقليمية. و القوة تُستخدم اليوم لمنع الخسارة وتحسين شروط التفاوض، لا لتحقيق نصر حاسم.
على أن التحدي المركزي أمام صانع القرار لا يتمثل في إدارة الحرب، بل في إدارة اللايقين وتجنب الانزلاق غير المحسوب في لحظة تتسم بقدر عالٍ من الهشاشة الاستراجية.



Comments