الجديد

كتب- منذر بالضيافي/ من واشنطن الى دافوس: اللحظة الترامبية .. السياسة حين تخرج من القواعد / تحليل اخباري/

كتب: منذر بالضيافي

إن ردود الفعل على ترامب، داخل الولايات المتحدة وخارجها – من داخل المعسكر الغربي، وهو ما اكدته خطابات رموزه وقياداته في منتدى دافوس-، كشفت عن حدود التصور الإجرائي والمؤسساتي للسياسة، وأعادت إبرازها باعتبارها ممارسة واقعية مشروطة بالقوة والسياق لا بمجرد القواعد.

غالبية تصريحات السياسيين و الإعلاميين وكذلك النخب الفكرية، في الغرب الرأسمالي، سواء في الداخل الأمريكي ، او في بقية أقطار أوروبا الحليف التقليدي لواشنطن، تركز على نقد سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب – الذي انتهج “عقيدة الصدمة”-، من داخل المنظومة السياسية الليبرالية التقليدية.

ففي الداخل الأمريكي، أظهر التفاعل مع ظاهرة ترامب – سواء من أنصاره أو معارضيه – أن السياسة لا تُحسم فقط عبر الدساتير، وتوازن السلطات، والأعراف الديمقراطية، بل عبر ميزان القوى الاجتماعي والثقافي القائم فعليًا. فقد صمد ترامب – ومرشح للصمود أكثر-، رغم الخروقات المتكررة للأعراف والمؤسسات، لأن قاعدة اجتماعية واسعة رأت فيه ممثلًا لمخاوفها، لا بوصفه يمثل خرقًا للقواعد. هنا يتراجع منطق “حراسة النظام”، أمام منطق الشرعية الواقعية، المستمدة من القدرة على التعبئة mobilization والتأثير.

وفي الخارج، كشفت ردود فعل الحلفاء والخصوم على السواء عن الحقيقة نفسها. فالدول التي طالما رفعت خطاب القيم الليبرالية والقانون الدولي سارعت إلى التكيّف البراغماتي مع سياسات ترامب، رغم تناقضها مع الخطاب المعلن. لم يكن السؤال: هل سياسات ترامب منسجمة مع القواعد؟ بل: كيف يمكن التعايش معها، أو الاستفادة منها، أو الحدّ من خسائرها؟ وهو ما يؤكد أن السياسة الدولية، كما الداخلية، تُدار بمنطق الواقع لا بمنطق المثال.

تكشف هذه اللحظة أن القواعد لا تعمل في الفراغ. فهي تحتاج إلى توافق اجتماعي وسياسي يحميها، وإلى توازن قوى يجعل خرقها مكلفًا. ومع تآكل هذا التوافق، تصبح القواعد هشّة وقابلة للتجاوز، دون أن ينهار النظام فورًا. وهذا ما يفسّر كيف استطاعت التجربة الترامبية أن تستمر، وأن تُحدث أثرًا عميقًا، رغم كثافة الاعتراضات القانونية والأخلاقية.

يبرز مما تقدم أن خصوم ومعارضي ترامب في الداخل كما في الخارج، تمترست وراء خطاب ترى من خلاله أن ترامب يمثل خطرا على المؤسسات و المكاسب و القواعد و الديمقراطية الليبرالية، وأهملت الأسباب التي جاءت بترامب، وما يطلق عليه البعض ب “الشعبوية”، وهي أسباب تعبر في عمقها عن أزمة النظام الليبرالي، كما تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فهو رفض يغفل عن الاعتراف بكون ترامب، هو مرآة لازمة النظام الليبرالي التقليدي ، وليس مجرد واجهة له او حادث طارئ سيزول بزواله.

رفض وشيطنة ترامب، واختصاره في كونه ظاهرة سلطوية تفكك الإرث السياسي الليبرالي والقواعد الناظمة له، لا يكفي وحده.  فالرفض بلا مشروع بديل يترك المجال مفتوحًا لإعادة إنتاج نفس المنطق، الذي أفرز هذه الظاهرة . فالمطلوب إذن فهم الظاهرة وتفكيكها لا شيطنتها، وهو كسل سياسي ومعرفي على السواء.

تكشف اللحظة الترامببة ، على أن القواعد لا تعمل في الفراغ. فهي تحتاج إلى توافق اجتماعي وسياسي يحميها، وإلى توازن قوى يجعل خرقها مكلفًا. ومع تآكل هذا التوافق، تصبح القواعد هشّة وقابلة للتجاوز، دون أن ينهار النظام فورًا.

وهذا ما يفسّر كيف استطاعت التجربة الترامبية أن تستمر، وأن تُحدث أثرًا عميقًا، رغم كثافة الاعتراضات القانونية والأخلاقية.

مثلت اللحظة الترامبية، لحظة كاشفة لوهم راسخ ومتجذر في التفكير الليبرالي: اختزل السياسة في قواعد وإجراءات محايدة. في حين أن السياسة، في جوهرها، صراع على المعنى والسلطة، تُحدّده الوقائع الاجتماعية والاقتصادية، لا النصوص وحدها.

ومن هنا، فإن ردّ الفعل العالمي على ترامب، الذي برز جليا في خطب زعماء أوروبا وكندا في منتدى دافوس، لا يفضح فقط شخص ترامب أو سياساته، بل يفضح هشاشة النظام الذي ادّعى طويلاً أن القواعد وحدها كافية لضبط السياسة.

اخيرا، يبقى السؤال الذي يهرب منه نقاد ترامب من معسكر الاصلاحيين الليبراليين هو التالي : هل ان ” اللحظة الترامبية ” تمثل أزمة عابرة داخل الديمقراطية الليبرالية ، أم علامة على نهاية نموذج كامل حكم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP