الجديد

حين تعجز القوة: هل خسر ترامب معركة إيران أم انكشفت حدود الهيمنة؟

الجورنالجي

في خضم التوترات التي طبعت المواجهة بين الولايات المتحدة الامريكية و ايران، برز تقييم لافت للمفكر الأمريكي John Mearsheimer، اعتبر فيه أن دونالد ترامب Donald Trump خرج من هذه المواجهة “مهزومًا ويائسًا”. عبارة تبدو صادمة في ظاهرها، لكنها في العمق تنتمي إلى تقليد تحليلي لا يقيس النتائج بضجيج القوة، بل بمدى تحقق الأهداف الاستراتيجية. .

في منطق مدرسة الواقعية   Realism in international relations، لا تُختزل الهزيمة في خسارة عسكرية مباشرة، بل تُفهم باعتبارها عجزًا عن فرض الإرادة السياسية. لقد دخلت واشنطن هذه المواجهة بسقف عالٍ من الأهداف: إعادة تشكيل سلوك طهران، تقليص نفوذها الإقليمي، وربما دفعها إلى إعادة التفاوض من موقع ضعف.

غير أن المسار انتهى إلى واقع أكثر تعقيدًا: تصعيد بلا حسم، وضغط بلا اختراق حاسم، ثم عودة إلى منطق التهدئة والتفاوض. هنا تحديدًا يتأسس حكم ميرشايمر. فحين تضطر قوة عظمى إلى التراجع من موقع التصعيد إلى منطق إدارة الأزمة، فإن ذلك لا يُقرأ كمرونة تكتيكية فحسب، بل كإقرار ضمني بحدود القوة. لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض شروطها على إيران، ولم تنجح في تفكيك بنيتها الإقليمية أو تغيير سلوكها الاستراتيجي.

بل على العكس، أظهرت طهران قدرة لافتة على امتصاص الضغط، وإدارة المواجهة بأدوات غير تقليدية، تجمع بين الردع غير المباشر وتوسيع هوامش المناورة. الأهم من ذلك أن هذه المواجهة كشفت عن مفارقة بنيوية في القوة الأمريكية نفسها. فرغم التفوق العسكري الساحق، تبدو واشنطن أقل قدرة على تحويل هذا التفوق إلى نتائج سياسية مستقرة، خاصة في بيئات إقليمية معقدة.

إنها مفارقة “القوة العاجزة”: حين تمتلك أدوات الهيمنة، لكنها تفشل في ترجمتها إلى وقائع دائمة على الأرض. بالنسبة إلى ترامب، الذي بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على استعادة الهيبة الأمريكية، فإن هذه النتيجة تحمل كلفة مضاعفة. فالتراجع من خطاب الحسم إلى واقع التفاوض لا يُفهم داخليًا فقط كتحول في السياسة، بل كاهتزاز في صورة القيادة ذاتها، خاصة في ظل ضغط داخلي متصاعد وانتقادات إعلامية حادة.

غير أن اختزال المسألة في “هزيمة ترامب” قد يحجب البعد الأعمق. فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق بشخص رئيس بقدر ما تعكس تحولًا أوسع في بنية النظام الدولي. ما جرى مع إيران ليس حادثة معزولة، بل مؤشر على تآكل القدرة الأحادية على فرض الإرادة، وصعود أنماط جديدة من التوازنات، حيث تستطيع قوى إقليمية، بموارد محدودة نسبيًا، أن تفرض كلفة عالية على القوى الكبرى.

في هذا السياق، تبدو عبارة ميرشايمر أقل حكمًا سياسويًا، وأكثر تشخيصًا لمرحلة تاريخية: مرحلة تتراجع فيها فعالية القوة الصلبة لصالح معادلات أكثر تركيبًا، تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الفاعلين غير الدولتيين، ومع حروب الاستنزاف الطويلة.

هكذا، لا يكون السؤال الحقيقي: هل خسر ترامب؟ بل: هل دخل العالم فعلًا زمنًا تصبح فيه القوة، مهما عظمت، عاجزة عن تحقيق النصر الحاسم؟

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP