الجديد

حين تفشل القوة في الحسم: ماذا تقول مراكز التفكير الغربية عن الحرب على إيران؟

حين تفشل القوة في الحسم: ماذا تقول مراكز التفكير الغربية عن الحرب على إيران؟

*** نحن أمام تفوق عسكري دون ترجمة سياسية حاسمة”: وهذا يعيد شبح الفيتنام العراق وأفغانستان في التفكير الأمريكي

*** القراءة السوسيولوجية: الحرب تُضعف القدرات، لكنها تقوي منطق البقاء السياسي للنظام. ونحن أمام تحول في طبيعة الحرب نفسها: “الحرب كظاهرة مجتمعية لا جيوسياسية فقط”.

*** إيران تعتمد استراتيجية:

• رفع كلفة الحرب بدل كسبها مباشرة

• ضرب الطاقة والممرات البحرية (هرمز)

*** الحرب أصبحت “ديناميكية ذاتية” أكثر من كونها قرارًا سياسياً مضبوطاً

*** القراءة الاستراتيجية: إيران لا تنافس عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا عبر الطاقة.

*** المشكلة ليست القدرة على بدء الحرب… بل تحملها طويلًا.

*** لا يوجد توافق واضح داخل المؤسسة الأمريكية نفسها وهذا ما تعتبره المراكز: نقطة ضعف بنيوية في الاستراتيجية.

*** الحرب تحولت إلى نظام صراعي إقليمي متعدد العقد.

*** التكنولوجيا (AI + intelligence) تحسم المعركة التكتيكية، لا الحرب.

*** السيناريوهات المتوقعة (وفق المراكز) تتقاطع معظم الدراسات حول 3 سيناريوهات:

1/ حرب استنزاف طويلة (الأرجح)

• لا نصر واضح

• كلفة عالية على الجميع

2/ تصعيد كبير

• ضرب منشآت طاقة أو تدخل بري

• خطر حرب إقليمية شاملة

3/ تسوية “غير مكتملة”

• وقف نار دون حسم

• إيران تحتفظ بجزء من قدراتها

*** نحن أمام تحول في طبيعة الحرب نفسها: “الحرب كظاهرة مجتمعية لا جيوسياسية فقط”

مع دخول الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران شهرها الثاني، لم تعد المسألة مجرّد متابعة لتطورات ميدانية أو حسابات عسكرية، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة لحدود القوة في النظام الدولي المعاصر. في هذا السياق، تبدو تقارير مراكز البحث الأمريكية والغربية—من واشنطن إلى لندن—أقرب إلى مراجعة داخلية صامتة، إن لم نقل قلقة، لرهانات الحرب نفسها.

أول ما يلفت في هذه التقارير هو هذا التناقض الصارخ بين “النجاح العسكري” و”العجز الاستراتيجي”. نعم، حققت الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقًا واضحًا على المستوى العملياتي: ضربات دقيقة، اختراقات استخباراتية، واغتيالات نوعية داخل عمق النظام الإيراني. لكن، ورغم ذلك، لم ينهَر النظام، ولم تتفكك بنيته، بل بدا—في مفارقة لافتة—أكثر قدرة على امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب صفوفه. هكذا تعود إلى الواجهة تلك الحقيقة التي تجاهلتها الحروب الحديثة مرارًا: يمكن تدمير القدرات، لكن من الصعب كسر الأنظمة حين تتحول إلى كيانات “معبأة بالبقاء”.

في هذا المعنى، تكشف الحرب عن محدودية ما يمكن تسميته بـ”نموذج الحسم التكنولوجي”. فالتفوّق في الذكاء الاصطناعي، والاستهداف الدقيق، والقدرة على “قطع الرأس” لم تعد كافية لتحقيق انتصار سياسي. لقد نجحت هذه الأدوات في إدارة المعركة، لكنها فشلت في إنهاء الحرب. وهنا يكمن التحول الأعمق: لم تعد الحروب تُحسم في غرف العمليات، بل في قدرة الفاعلين على تحمّل الزمن.

ولعلّ هذا ما يفسّر الانتقال السريع—كما ترصده مراكز التفكير—من وهم “الحرب الخاطفة” إلى واقع “حرب الاستنزاف”. لم تعد المسألة تتعلق بضربة قاضية، بل بإدارة تصعيد مفتوح، حيث يسعى كل طرف إلى رفع كلفة المواجهة على الآخر دون الانزلاق إلى انهيار شامل. في هذا السياق، تعتمد إيران استراتيجية معاكسة تقريبًا: لا تبحث عن الانتصار المباشر، بل عن تعقيد المعركة، توسيع مسارحها، وربطها بعوامل خارج الميدان العسكري، وعلى رأسها الطاقة.

هنا تحديدًا، تنتقل الحرب من الجغرافيا إلى الاقتصاد. فمضيق هرمز، وأسعار النفط، وسلاسل التوريد، تتحول إلى أدوات صراع لا تقل أهمية عن الصواريخ والطائرات. لم تعد الحرب فقط بين جيوش، بل بين أنماط عيش، بين اقتصاديات، بين هشاشات مترابطة. وهذا ما يفسّر القلق الأوروبي المتزايد، ليس فقط من اتساع رقعة المواجهة، بل من انعكاساتها على الاستقرار الداخلي نفسه.

غير أن أخطر ما تكشفه هذه الحرب—كما تعكسه تقارير المراكز الغربية—ليس قوة إيران ولا حتى حدود التفوق الأمريكي، بل غموض الهدف ذاته. ماذا تريد واشنطن؟ هل الهدف هو إسقاط النظام؟ أم إعادة ضبط سلوكه؟ أم مجرد استعادة الردع؟ هذا الالتباس الاستراتيجي لا يبدو تفصيلاً، بل هو في قلب الأزمة. فالحروب التي تُخاض دون أفق سياسي واضح، تتحول سريعًا إلى ديناميات ذاتية، يصعب التحكم في مساراتها.

من هنا، يتصاعد الحديث في الأدبيات الاستراتيجية عن “فخ التصعيد”: وضعية يدخل فيها الفاعلون في حلقة من رفع السقف المتبادل، دون قدرة حقيقية على التراجع. كل خطوة إلى الأمام تفرض خطوة أخرى، وكل ضربة تستدعي ردًا، إلى أن تصبح الحرب منطقًا قائمًا بذاته، لا مجرد أداة في خدمة السياسة.

لكن، إذا كان هذا هو التحليل الاستراتيجي، فإن القراءة السوسيولوجية تقودنا إلى مستوى أعمق. ما نعيشه اليوم ليس فقط حربًا بين دول، بل تحوّلًا في طبيعة الحرب نفسها. نحن أمام صراع شبكي، تتداخل فيه الدولة مع الفاعلين غير الدولتيين، والاقتصاد مع الأمن، والإعلام مع الميدان. إنها حرب “متعددة العقول”، حيث لا يكفي امتلاك القوة، بل يجب فهم التعقيد.

في هذا الإطار، يمكن القول إن الحرب على إيران تكشف عن نهاية مرحلة تاريخية: مرحلة الاعتقاد بإمكانية السيطرة السريعة، والحسم النظيف، والانتصار منخفض الكلفة. ما يظهر اليوم هو العكس تمامًا: حروب طويلة، مكلفة، مفتوحة، بلا نهايات واضحة.

ربما لهذا السبب تبدو مراكز التفكير الغربية، رغم لغتها التقنية، وكأنها تكتب بين السطور اعترافًا ضمنيًا: العالم لم يعد قابلاً للإدارة بالأدوات القديمة. القوة لم تعد تضمن السيطرة، والتفوق لم يعد يعني الحسم.

إنها لحظة انتقال، ليس فقط في ميزان قوى، بل في معنى الحرب ذاته

*** المصدر: عرص لأهمّ استنتاجات تقارير مراكز البحث الأمريكية والغربية (مثل Atlantic Council، CSIS، Washington Institute، Chatham House، IISS…

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP