حين تُغلق الممرّات … يختنق العالم: هرمز ليس مضيقًا بل مفترق طرق لنظام عالمي جديد
كتب: حليم بوسمة **
لم تعد الحرب الدائرة اليوم مجرّد مواجهة عسكرية في رقعة جغرافية محدودة، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة لخلل عميق في بنية النظام الدولي. فحين يصبح مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط وأكثر من ربع تجارة الطاقة المنقولة بحرًا، ورقة ضغط في معادلة الصراع، فإننا لا نتحدث عن أزمة إقليمية عابرة، بل عن زلزال اقتصادي يعيد تشكيل موازين القوة في العالم.
الأرقام هنا ليست تفاصيل تقنية، بل مفاتيح لفهم ما يحدث. أسعار النفط التي تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل ليست مجرد رقم في الأسواق، بل بداية سلسلة من الارتدادات: ارتفاع كلفة النقل، تضخم أسعار الغذاء، زيادة كلفة الإنتاج، واتساع الضغط على ميزانيات الدول. وفي عالم لم يتعافَ بعد من تداعيات جائحة كورونا، ثم من اضطرابات سلاسل الإمداد والحرب في أوكرانيا، تأتي هذه الأزمة لتضيف طبقة جديدة من عدم اليقين. التقديرات الدولية تشير إلى تباطؤ النمو العالمي إلى حدود 2.9% مع تضخم يلامس 4%، وهي أرقام تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها في جوهرها تعني شيئًا واحدًا: تآكل الاستقرار الاجتماعي في عدد متزايد من الدول.
الولايات المتحدة، التي تقود هذا التصعيد، تجد نفسها أمام مفارقة صعبة. فهي تمتلك أقوى آلة عسكرية في العالم، لكنها عاجزة عن تحييد الكلفة الاقتصادية للحرب. فكل ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على المواطن الأمريكي، من الوقود إلى الغذاء إلى السكن، في وقت تعاني فيه الطبقة الوسطى أصلًا من ضغط التضخم وارتفاع الفائدة. الأسواق المالية التقطت هذه الإشارات مبكرًا، حيث بدأ القلق يظهر في تراجع المؤشرات وتذبذبها مع كل تطور ميداني. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل يمكن أن يتحول دونالد ترامب من صانع قرار إلى ضحية تقدير استراتيجي غير محسوب؟ فالتاريخ الأمريكي يثبت أن الحروب التي تُخاض دون أفق سياسي واضح تتحول سريعًا إلى عبء داخلي يُضعف من أطلقها بدل أن يقوّيه.
في المقابل، لا يمكن قراءة إيران بمنطق القوة العسكرية التقليدية فقط. صحيح أن اقتصادها يواجه ضغوطًا كبيرة، بنمو ضعيف وعقوبات ممتدة، لكن ما تملكه هو القدرة على تحويل نقاط ضعفها إلى أدوات استنزاف لخصومها. فمجرد التهديد بتعطيل مضيق هرمز كافٍ لإرباك الأسواق العالمية، وهو ما يجعل المعركة تتجاوز الميدان العسكري إلى عمق الاقتصاد الدولي. في هذا النوع من الحروب، لا يكون الانتصار لمن يملك السلاح الأقوى، بل لمن يملك القدرة على إطالة زمن المواجهة ورفع كلفتها على الجميع.
دول الخليج تجد نفسها في قلب هذه المعادلة المعقدة. فهي من جهة مستفيدة نظريًا من ارتفاع أسعار النفط، لكنها في الوقت ذاته الأكثر عرضة لمخاطر التصعيد، سواء من خلال استهداف منشآتها الحيوية أو اضطراب ممراتها التجارية. وبين منطق الربح السريع وخطر الانفجار الإقليمي، تبدو الخيارات محدودة ومحفوفة بالمخاطر.
أما الصين، فهي تتعامل مع الأزمة بعقل بارد. ورغم اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، إلا أنها نجحت في بناء شبكة إمدادات متنوعة ومخزونات استراتيجية تمنحها هامش حركة أوسع من غيرها. والأهم من ذلك أن أي تراجع في قدرة الولايات المتحدة على تأمين استقرار التجارة العالمية يمنح بكين فرصة لتعزيز موقعها كقوة بديلة. روسيا بدورها تستفيد من ارتفاع الأسعار، لكنها تفعل ذلك بحذر، مدركة أن الفوضى التي ترفع أرباحها قد تحمل في طياتها مخاطر على استقرارها الداخلي.
أوروبيا تبدو اليوم في موقع دفاعي أكثر منه فاعلًا. صحيح أنها نجحت في تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، لكنها لم تتحرر من تقلبات السوق العالمية. التضخم عاد للارتفاع، والقدرة التنافسية تراجعت، والقرار السياسي أصبح أكثر ارتباطًا بتوازنات خارجية معقدة. لم تُقصَ أوروبا من المشهد الدولي، لكنها فقدت جزءًا من استقلالية حركتها، وهو ما يجعلها تتفاعل مع الأحداث أكثر مما تؤثر فيها.
إفريقيا، كالعادة، تدفع الثمن دون أن تكون طرفًا في القرار. ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والنقل يهدد الأمن الغذائي ويضغط على اقتصادات هشة أصلًا. التقديرات تشير إلى تباطؤ النمو وارتفاع مخاطر التوترات الاجتماعية، ما يجعل القارة أمام اختبار جديد في ظل بيئة دولية غير مستقرة.
بالنسبة لتونس والدول المشابهة، فإن هذه الحرب ليست حدثًا بعيدًا. كل دولار إضافي في سعر النفط يعني ضغطًا مباشرًا على الميزانية، وعلى كلفة الدعم، وعلى الأسعار، وعلى القدرة الشرائية للمواطن. اقتصاد يعتمد على التوريد في الطاقة والحبوب لا يمكنه أن يبقى متفرجًا في عالم تُعاد فيه صياغة قواعد اللعبة بهذه السرعة. وهنا يصبح الحديث عن الأمن الطاقي والغذائي والمائي حديثًا عن السيادة نفسها، لا عن سياسات قطاعية معزولة.
ما يحدث اليوم يتجاوز منطق الحرب إلى منطق التحول التاريخي. العالم يدخل مرحلة جديدة، لا تُقاس فيها القوة فقط بعدد الجيوش، بل بامتلاك مفاتيح الطاقة والغذاء والتكنولوجيا والممرات الاستراتيجية. الولايات المتحدة تكتشف حدود القوة العسكرية في عالم اقتصادي معقّد، الصين تتحرك لملء الفراغ، روسيا تستثمر في الفوضى، وأوروبا تبحث عن توازن مفقود. أما الدول الصغيرة، فليس أمامها سوى خيار واحد: إعادة بناء قدرتها على الصمود من الداخل.
العالم بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها، ومن لا يستعد لهذا التحول، سيجد نفسه مجرد رقم في معادلات تُصاغ في مكان آخر.
** حليم بوسمة
نائب الشعب المستقل



Comments