الجديد

كتب خليفة بن سالم: الحرب الروسية الأوكرانية .. صراع الجغرافيا أم عودة التاريخ؟

كتب: خليفة بن سالم

بنهاية شهر فيفري وبداية مارس تدخل الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، وهي مرشحة للاستمرار لسنوات أخرى، باعتبارها تتجاوز كونها نزاعًا حدوديًا على الجغرافيا، لتغدو وجهًا آخر من وجوه صراع الهويات وإعادة تشكّل موازين القوى في النظام الدولي. إنها حرب اندلعت في لحظة تشظّي ترتيبات ما بعد الحرب الباردة، وفي سياق تآكل توازن الردع التقليدي بين معسكري الشرق والغرب، بينما كان العالم يرزح تحت أزمات اقتصادية متراكمة وتحوّلات استراتيجية عميقة.

في أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار حلف وارسو، دخلت روسيا ودول المنظومة السابقة في صراعات داخلية لإعادة بناء الدولة وترتيب السلطة، في وقت استأثرت فيه الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة النظام الدولي، ترسم خرائط النفوذ وتعيد تشكيلها منفردة تقريبًا. استمر هذا الوضع إلى أن بادرت القوات الروسية في 24 فيفري 2022 بشن هجوم واسع على أوكرانيا، متقدمة نحو عمقها الاستراتيجي، في خطوة أعادت إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، وإن في سياق دولي مختلف.

عشية الهجوم، بدا قادة الغرب في حالة صدمة، وكأنهم لم يتوقعوا جرأة موسكو على تحدي المنظومة الغربية مباشرة، عبر استهداف دولة تُعدّ حليفًا استراتيجيًا للغرب بقيادة رئيسها فولوديمير زيلينسكي. وسرعان ما توحّد الموقف الغربي، خصوصًا داخل حلف شمال الأطلسي، لتقديم دعم عسكري ومالي واسع لكييف، مقابل فرض حزمة غير مسبوقة من العقوبات على روسيا. غير أن هذه المواجهة لم تبقَ محصورة في حدود البلدين؛ فقد انعكست تداعياتها على أسواق الطاقة والغذاء، وعلى حركة الملاحة الجوية والسياحة وسلاسل الإمداد، ما جعلها أزمة عالمية بامتياز.

وبعد ثلاث سنوات من الحرب، ومع دخولها عامها الرابع، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. ميدانيًا، حافظت روسيا على حضورها العسكري في مناطق استراتيجية، وتمكنت تدريجيًا من التكيّف مع العقوبات الغربية والحدّ من فعاليتها، دون أن ينهار اقتصادها كما توقّع البعض. في المقابل، تراجعت رهانات كييف على حسم سريع يعيد كامل الأراضي، وبدأت كلفة الحرب البشرية والاقتصادية تثقل المشهد الداخلي الأوكراني.

أما على مستوى التوازنات الدولية، فقد أفرزت الحرب تحولات لافتة. ثمة من يرى أن حلف شمال الأطلسي بات أكثر ارتهانًا للقرار الأمريكي، وأن الطابع التشاركي في داخله تراجع لصالح قيادة أمريكية أكثر وضوحًا. كما أن التحولات في السياسة الأمريكية، خاصة مع عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد، أعادت إبراز منطق “الصفقة” والمصلحة المباشرة في مقاربة الملفات الدولية، بما في ذلك الحرب الأوكرانية. وهو ما وضع أوروبا أمام معادلة دقيقة: إما مواصلة الارتهان للمظلة الأمنية الأمريكية بشروطها، أو البحث عن استقلالية استراتيجية لا تزال كلفتها السياسية والعسكرية مرتفعة.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو روسيا أقل تعرضًا للضغوط مما كانت عليه في السنوات الأولى، بينما تجد أوكرانيا نفسها أمام سؤال وجودي: ماذا جنت من الرهان المطلق على الدعم الأوروبي والغربي؟ هل كان الثمن المدفوع—خراب البنية التحتية، واستنزاف الموارد، ونزيف الهجرة—متناسبًا مع المكاسب المتحققة؟ أم أن الحرب تحولت إلى ساحة تصفية حسابات كبرى تتجاوزها، وتُعيد رسم خرائط النفوذ العالمي على أرضها؟

إن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل أضحت اختبارًا قاسيًا لشكل النظام الدولي القادم: هل نحن أمام عودة منطق الكتل والصراعات الصلبة، أم بصدد تشكّل تعددية قطبية جديدة لم تستقر قواعدها بعد؟

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP