كتب – خليفة بن سالم: حرب بلا منتصر … خرائط القوة الجديدة بين الربح الجيوسياسي والخسارة الإنسانية
خليفة بن سالم
كما كان مقرّرًا، انطلقت مفاوضات هدنة مؤقتة، تمهيدًا لرسم ملامح هدنة طويلة الأمد. لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: من خسر ومن كسب؟ إذا استثنينا الكلفة الإنسانية الفادحة—حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر لحروب لم يختاروها—فإن قراءة منطق الدول تكشف أن الحروب، رغم مآسيها، تفرز دائمًا مكاسب سياسية واستراتيجية. فهل أفرزت هذه الحرب بين التحالف الأمريكي–الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، رابحين فعليين؟ ولمن تميل كفة المكاسب؟
يمكن القول إن إيران، بصرف النظر عن مستقبل نظامها في السنوات القادمة، تبدو الرابح الأول نسبيًا. فقد نجحت في تثبيت موقعها كقوة إقليمية ذات قدرات عسكرية وعلمية، وأظهرت قدرة على إدارة صراع مع قوة عظمى كالولايات المتحدة وقوة إقليمية نووية كإسرائيل. ولم تكتفِ بالصمود، بل تمكنت من إلحاق أضرار واستنزاف خصميها، في معادلة توازن غير مسبوقة.
في المقابل، برزت باكستان كفاعل هادئ لكنه مؤثر. فقد تحولت إلى نقطة توازن دبلوماسي، وملاذ مقبول للطرفين، في وقت عجزت فيه قوى إقليمية ودولية أخرى عن لعب هذا الدور. هذا التموقع يمنح إسلام آباد وزنًا إضافيًا في معادلات آسيا والشرق الأوسط، وربما على حساب أدوار تقليدية لكل من تركيا ومصر والسعودية وحتى فرنسا.
أما روسيا والصين، فقد أظهرتا هذه المرة انخراطًا أوضح في دعم حليفهما الإيراني، سواء عبر المواقف السياسية أو داخل المؤسسات الدولية. وقد استفادت موسكو اقتصاديًا واستراتيجيًا من إضعاف خصومها، في حين ساهمت هذه الحرب في تعميق الشكوك داخل المعسكر الغربي. فالتباينات داخل الحلف الأطلسي، وتراجع الثقة في القيادة الأمريكية، يفتحان الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الدولية، وربما إعادة تعريف العلاقات الأوروبية مع روسيا في المستقبل.
وفيما يتعلق بالعالم العربي والقضية الفلسطينية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فمن جهة، تعززت القناعة الدولية بأن إسرائيل تمثل مصدر توتر رئيسي في المنطقة، وهو ما انعكس في مواقف أوروبية أكثر تحفظًا تجاه الحرب. ومن جهة أخرى، قد تتيح هذه التحولات فرصة لإعادة بناء مقاربة دبلوماسية جماعية، تقوم على شراكة أوسع تضم دولًا كتركيا وباكستان وإيران.
غير أن هذا الأفق يظل مشروطًا بقدرة النظام العربي على تجاوز حالة التشتت وضعف الإرادة السياسية. رغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن العرب خرجوا مرحليًا دون مكاسب تُذكر. لكن الجغرافيا—بما تختزنه من مضائق حيوية وموارد طاقية—ستبقيهم فاعلين موضوعيين في أي معادلة قادمة، شرط توفر إرادة سياسية قادرة على تحويل الإمكان إلى فعل.
على مستوى آخر، كشفت الحرب عن تحولات عميقة في طبيعة الصراع المسلح، خاصة مع تصاعد دور الطائرات المسيّرة والتقنيات منخفضة الكلفة وعالية الفعالية. وهو ما سيدفع العديد من الدول إلى إعادة التفكير في عقائدها العسكرية ومنظوماتها الدفاعية.
كما أن التهديدات التي طالت الممرات الحيوية، مثل مضيق هرمز، ستعجّل بالاستثمار في بدائل الطاقة وتقليل الاعتماد على مناطق النزاع، بما يحمله ذلك من انعكاسات اقتصادية عالمية، من إعادة الإعمار إلى إعادة توجيه الاستثمارات والسياحة. ومع كل هذه القراءات التي تميل إلى رصد “مكاسب” الدول، تبقى الحقيقة الأكثر صلابة: باستثناء حروب التحرر الوطني، تظل الحروب في جوهرها جرائم تُخطط لها أقليات نافذة، بينما تدفع ثمنها الأغلبية الصامتة.



Comments