الجديد

كتب – منذر بالضيافي:الحرب على ايران .. العرب و “الشرق الأوسط الجديد” ؟

منذر بالضيافي

ما يحدث اليوم، في منطقة الخليج والشرق الأوسط، اثر الهجوم العسكري الشامل الأمريكي الاسرائيلي على ايران ( 18 فيفري 2026)،  أننا بصدد التحول من اشتباك عسكري، كما أراد له وتخيله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الى حرب استنزاف مفتوحة، لا يستبعد أن تنزلق نحو “حرب هجينة” تتجاوز الاقليم الى العالم برمته، بالنظر الى تأثيراتها الاقتصادية الكبيرة على الاقتصاد العالمي، بعد تعطل انتاج وتصدير النفط، وغلق معبر رئيسي يمر منه خمس النفط العالمي، هذا فضلا عن كون ما يحدث  يعد  صراعا  معقدا  ومركبا، يختلط فيه الاستراتيجي بالسياسي و الديني بالرمزي، دون أن نغفل عن الحضور القوى للأمزجة الشخصية  للفاعلين الرئيسيين فيه، والتي تجمع بين المزاجية ( شخصية الرئيس ترامب ) و التشدد ( المرشد الايراني الجديد ) و العدوانية ( زعيم اليمين الممتطرف الاسرائيلي، ناتينياهو)، وهو ما يعمق صراع الارادات و المشاريع، من حلم الهيمنة الاقليمية ( اسرائيل و ايران )  الى حلم التمدد الامبراطوري ( ترامب ) وهو أيضا  المسكون بالاستحواذ على الثروات سواء طوعا أو كرها – بالقوة-.

لذلك، فان ما يحدث على أرض الشرق الأوسط و الخليج ومياهه، منذ أسبوعين و المرشح لرفع سقف التدمير وحتى “المغامرة”، يتجاوز كونه مجرد حرب جديدة في منطقة اعتادت التوترات والصراعات. ما يجعل من المواجهة العسكرية التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تمثل في أحد أبعادها العميقة، لحظة فارقة في التاريخ الجيوسياسي للمنطقة؛ لحظة قد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى، وربما إعادة رسم خرائط النفوذ وتحقيق ما كثر الحديث عنه خاصة اسرائيليا  ونعني هنا : “الشرق الأوسط الجديد”.

فالحروب الكبرى لا تكون مجرد صدامات عسكرية بين دول، بل غالبًا ما تتحول إلى محطات تأسيسية لإعادة ترتيب الحقول السياسية والاستراتيجية. وقد أشار عالم الاجتماع الألماني Max Weber إلى العلاقة الوثيقة بين القوة السياسية وإعادة تنظيم النظام الاجتماعي والسياسي. من هذا المنظور، يمكن فهم ما يجري اليوم ليس فقط كحرب على إيران، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية.  

لكن اللافت في هذا التحول الكبير هو الفراغ العربي الماثل للعيان. فبينما تتحرك القوى الدولية والإقليمية لإعادة ترتيب المجال الجيوسياسي للمنطقة، تبدو الدول العربية في وضع أقرب إلى المراقب السلبي منه إلى الفاعل. وليس المقصود هنا غياب المواقف السياسية أو الدبلوماسية، بل غياب المبادرة الاستراتيجية القادرة على التأثير في مسار الأحداث وصياغة ما يمكن تسميته بـ”اليوم التالي” للحرب.

هذا الفراغ ليس وليد اللحظة. فالنظام الإقليمي العربي دخل منذ عقود في مسار من التفكك التدريجي، مسار تعمّق مع التحولات الكبرى التي عرفتها المنطقة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ومع صعود قوى إقليمية غير عربية أصبحت فاعلة في تحديد مسارات الصراع والتحالف. وهكذا انتقل مركز الفعل السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط تدريجيًا خارج المجال العربي، أو على الأقل خارج قدرة الدول العربية على التحكم فيه.  

في هذا السياق، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمستقبل إيران أو بمصير نظامها السياسي بعد الحرب، بل يتعلق أيضًا بمكانة العرب خاصة  الخليج  في الإقليم الذي يعاد تشكيله. فحتى لو انتهت الحرب بتحولات كبيرة داخل إيران أو في موازين القوى الإقليمية، فإن ذلك لن يغير تلقائيًا من حالة الوهن العربي ما لم تتوفر إرادة سياسية واستراتيجية قادرة على إعادة بناء الفعل العربي المشترك.

ومع ذلك، قد تحمل هذه اللحظة التاريخية، على قسوتها، إمكانية مختلفة. فالأزمات الكبرى كثيرًا ما تتحول إلى لحظات وعي جماعي تدفع المجتمعات والنخب إلى إعادة التفكير في مساراتها. وربما يمكن فهم ما يجري اليوم في الشرق الأوسط من خلال فكرة “التعلم عبر الصدمة” l’apprentissage par le choc، أي أن التحولات العنيفة قد تصبح، محفزًا لإعادة النظر في مواطن الضعف وإطلاق ديناميات جديدة للتغيير.

غير أن تحقق هذا الاحتمال يظل رهينًا بقدرة النخب السياسية والفكرية العربية على تحويل الصدمة إلى درس تاريخي، لا مجرد حدث عابر في سلسلة أزمات المنطقة. وهو أمر لا يبدو قريب المنال في المدى القصير، لكنه قد يشكل أفقًا مفتوحًا للأجيال القادمة.  

فالتاريخ يعلمنا أن اللحظات المفصلية لا تتحدد فقط بما يحدث فيها من حروب وصراعات، بل أيضًا بالطريقة التي تستجيب بها المجتمعات لتلك اللحظات: هل تتحول الصدمة إلى بداية وعي جديد، أم تظل مجرد فصل آخر في تاريخ طويل من الأزمات؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يطرحه الشرق الأوسط اليوم على العرب قبل غيرهم.

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP