كتب – منذر بالضيافي:الحرب على ايران .. العرب و “الشرق الأوسط الجديد” ؟
كتب: منذر بالضيافي
ما يحدث اليوم في الخليج والشرق الأوسط، منذ الهجوم العسكري الأمريكي–الإسرائيلي الواسع على إيران في 28 فيفري 2026، يتجاوز في دلالاته حدود مواجهة عسكرية تقليدية بين دول. فمع مرور الأيام، يبدو أن المنطقة تنتقل تدريجياً من منطق الضربة العسكرية المحدودة إلى منطق حرب الاستنزاف المفتوحة، وهي ديناميكية كثيراً ما تحوّل الحروب السريعة المتوقعة إلى صراعات طويلة ذات تداعيات إقليمية ودولية عميقة.
فقد كان واضحاً أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب راهنت، في البداية، على منطق «الصدمة والترويع»، أي توجيه ضربات قوية وسريعة تُضعف القدرة العسكرية الإيرانية وتفرض معادلة ردع جديدة في المنطقة. غير أن مسار الأحداث يوحي بأن الحسابات الاستراتيجية قد لا تسير بالضرورة وفق هذا السيناريو. فإيران، التي بنت خلال العقود الماضية شبكة معقدة من أدوات الرد غير المتماثل، تبدو قادرة على تحويل المواجهة إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدودها الجغرافية.
ولا يقتصر الأمر على البعد العسكري. فالحرب الجارية تحمل في طياتها أبعاداً اقتصادية عالمية بالغة الحساسية. إذ يمر جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية عبر الممرات البحرية في الخليج، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية عاملاً مؤثراً في استقرار الاقتصاد الدولي. ومن هنا فإن تعطل إنتاج أو تصدير النفط، أو تهديد حركة الملاحة في المضائق الاستراتيجية، لا يبقى مسألة إقليمية فحسب، بل يتحول بسرعة إلى قضية ذات تأثير مباشر في الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
لكن ما يمنح هذه الحرب طابعها الأكثر تعقيداً هو تداخل مستويات متعددة من الصراع داخلها. فالمواجهة الحالية ليست مجرد تنافس استراتيجي بين دول، بل هي أيضاً صراع تتقاطع فيه الاعتبارات السياسية والعقائدية والرمزية. كما أن شخصية الفاعلين الرئيسيين تلعب دوراً غير هامشي في تشكيل مسار الأحداث، إذ تتقاطع في هذه المواجهة أنماط مختلفة من القيادة السياسية: بين النزعة التصعيدية التي طبعت سياسات الرئيس الأمريكي ترامب، والنهج العقائدي الذي يميز القيادة الإيرانية، والاتجاهات اليمينية المتشددة في السياسة الإسرائيلية بقيادة نتانياهو.
وفي مثل هذه السياقات، كثيراً ما تتحول الحروب إلى لحظات مفصلية في التاريخ السياسي. فالحروب الكبرى لا تقتصر آثارها على تغيير موازين القوى العسكرية، بل غالباً ما تؤدي إلى إعادة ترتيب الحقول السياسية والاستراتيجية بأكملها. وقد أشار عالم الاجتماع الألماني Max Weber إلى العلاقة الوثيقة بين القوة السياسية وإعادة تنظيم النظام الاجتماعي والسياسي. ومن هذا المنظور يمكن قراءة ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس فقط كحرب على إيران، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
ولهذا السبب يكثر الحديث، في الأوساط السياسية والاستراتيجية، عن احتمال أن تمهد هذه المواجهة الطريق لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، مرحلة قد تعيد طرح فكرة «الشرق الأوسط الجديد». وهي فكرة ظهرت في أكثر من محطة تاريخية خلال العقود الماضية، وغالباً ما ارتبطت بمحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة. غير أن ما يمنح هذه اللحظة خصوصيتها هو حجم التحولات التي يعرفها النظام الدولي نفسه، في ظل تراجع نسبي لهيمنة القطب الواحد، وصعود تنافس متزايد بين القوى الكبرى.
وسط هذه التحولات الكبرى، يبدو المشهد العربي في وضع بالغ التعقيد. فبينما تتحرك القوى الدولية والإقليمية لإعادة ترتيب المجال الجيوسياسي للشرق الأوسط، تبدو الدول العربية أقرب إلى موقع المراقب منها إلى موقع الفاعل. وليس المقصود هنا غياب المواقف السياسية أو البيانات الدبلوماسية، بل غياب المبادرة الاستراتيجية القادرة على التأثير في مسار الأحداث أو المشاركة في صياغة ما يمكن تسميته بـ«اليوم التالي» للحرب.
ولا يعود هذا الوضع إلى ظرف طارئ فحسب، بل يرتبط بمسار أطول من التحولات التي عرفها النظام الإقليمي العربي خلال العقود الماضية. فمنذ نهاية الحرب الباردة، ثم مع تداعيات الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، دخل النظام العربي في مرحلة من التفكك التدريجي. وقد تعمقت هذه الديناميكية مع الأزمات التي شهدتها المنطقة منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والتي أدت إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل عدد من الدول العربية نفسها.
في هذا السياق، صعدت قوى إقليمية غير عربية – مثل إيران وتركيا وإسرائيل – لتصبح فاعلاً مركزياً في تحديد مسارات الصراع والتحالف في الشرق الأوسط. وهكذا انتقل مركز الفعل السياسي والاستراتيجي تدريجياً خارج المجال العربي، أو على الأقل خارج قدرة الدول العربية على التحكم المباشر فيه.
لهذا السبب، فإن السؤال الأهم الذي تطرحه الحرب الحالية لا يتعلق فقط بمستقبل إيران أو بمصير نظامها السياسي، بل يتعلق أيضاً بمكانة العرب في الإقليم الذي يعاد تشكيله. فحتى لو انتهت الحرب بتحولات عميقة في التوازنات الإقليمية، فإن ذلك لن يغير تلقائياً من موقع العالم العربي في هذه المعادلة ما لم تتوفر إرادة سياسية قادرة على إعادة بناء شكل من أشكال الفعل العربي المشترك.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى قد تحمل في طياتها إمكانات غير متوقعة. فكثيراً ما تتحول الصدمات التاريخية العنيفة إلى لحظات وعي تدفع المجتمعات والنخب إلى إعادة التفكير في مساراتها. وفي هذا المعنى يمكن فهم ما يجري اليوم في الشرق الأوسط من خلال فكرة «التعلم عبر الصدمة»، أي أن التحولات العنيفة قد تتحول، في بعض الأحيان، إلى محفز لإعادة النظر في مواطن الضعف وبداية مسارات جديدة للتغيير.
غير أن تحقق مثل هذا الاحتمال يظل رهيناً بقدرة النخب السياسية والفكرية العربية على تحويل هذه اللحظة المضطربة إلى فرصة للتفكير الاستراتيجي، لا مجرد حلقة جديدة في سلسلة أزمات المنطقة. فالتاريخ لا يُصنع فقط بالحروب، بل أيضاً بالطريقة التي تستجيب بها المجتمعات لهذه الحروب.
وهنا يكمن السؤال الحقيقي الذي تطرحه الحرب الجارية اليوم على العرب قبل غيرهم: هل تتحول هذه الصدمة الجيوسياسية الكبرى إلى بداية وعي استراتيجي جديد يعيد طرح مسألة الدور العربي في المنطقة؟ أم أنها ستبقى مجرد فصل إضافي في تاريخ طويل من التحولات التي تجري في الشرق الأوسط بينما يكتفي العرب بمراقبتها من بعيد؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد لا تتضح في المدى القريب. لكن المؤكد أن ما يحدث اليوم لن يكون مجرد حدث عابر في تاريخ المنطقة، بل قد يمثل إحدى اللحظات التي يعاد فيها رسم ملامح الشرق الأوسط لعقود قادمة.



Comments