الجديد

كتب- منذر بالضيافي: الحرب على إيران: من قراءة الحدث إلى فهم التحولات

كتب: منذر بالضيافي

يتابع العالم، منذ أكثر من أسبوعين، حرباً جديدة في الشرق الأوسط، هذه المنطقة التي يبدوا انه قد كتب عليها، ان لا تغادر منذ عقود دائرة الاضطراب، وهو ما جعلها تعد احد اهم “بؤر التوتر” في العالم: حيث تتوالد وتستنسخ الأزمات، و الحرب تلد اخرى.

فقد بدأت فصول الحرب الجديدة، في الثامن والعشرين من شهر فيفري المنقضي، لتطلق فصول المواجهة الحالية ، مع الهجوم العسكري الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، مواجهة خطط أصحابها لتكون خاطفة و برقية، لكننا ونحن ندخل أسبوعها الثالث، نشاهد أنها بصدد الانزلاق لصراع استنزاف، يجد مبرره في صمود ايران الذي لم يتوقعه اعدائها وهم يطلقون النيران، وبذلك تم فتح المنطقة على مشهد جديد من العنف والدمار، وسط تداعيات كارثية على امن الطاقة انتاجا و توزيعا، والذي سرعان ما رمى بظلاله على الاقتصاد العالمي، الذي اصبح مهددا بأشرس ازماته وأكثرها حدة منذ عقود، وضمن حالة الضبابية هذه التي زادت ونفخت فيها حيرة مفجريها – اساسا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب-، وضع العالم بأسره مرة أخرى أمام سؤال يتكرر مع كل حرب، و بات يعرف بـ”اليوم التالي”.

ان الاشتغال بمتابعة يوميات الحرب في بعدها الإخباري، و نقل أصداء ضجيج المعارك واتساع رقعة النيران، على أهميته فانه يبقى قراءة ناقصة. فالأحداث الكبرى – على غرار الحرب الراهنة- لا تُفهم فقط من داخلها، بل أيضاً من خلال السياق الأوسع الذي تنتظم و تتم فيه.

من هذا المنظور، تبدو الحرب الجارية جزءاً من مرحلة أوسع من التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. تحولات اشرنا في اكثر من مناسبة، إلى أنها تتسم : بالشمول، إذ تطال مختلف المجالات: السياسة والجغرافيا الاستراتيجية إلى الاقتصاد والمناخ، كما تتسم بالسرعة نتيجة الثورة الرقمية وتسارع حركة التاريخ، وبالعمق والتعقيد أيضاً، لأنها تمس الأسس التي قام عليها النظام الدولي خلال العقود الماضية، وتجعلها جميعا في مواجهة مخاطر التفكيك.

ومن هنا، بدأنا نلتحظ بداية نهاية العالم الذي عرفناه، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الذي أخذ في الاستئذان في الانصراف، وبدأ يفقد تماسكه تدريجياً، بينما – وفي المقابل- لم يتشكل بعد الجديد القادر على تنظيم العلاقات الدولية وإنتاج توازنات مستقرة. وفي الاثناء دخلنا مرحلة انتقالية تتسم بحالة من الفراغ التاريخي الكبير ، ليجد العالم نفسه يعيش ما أطلق عليه عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران “طور اللايقين”، وقبله تحدث عنها المفكر الإيطالي الكبير انطونيو غرامشي، وقال إنها تتسم بالتوحش و الأهوال، وهي في المحصلة مرحلة تمتد فيها الشكوك وتتعاظم المخاوف وتتشكل خلالها ملامح عالم جديد لم تتضح صورته بعد، وهذا ما نعيش فصوله منذ سنوات، وما الحرب على ايران وقبلها على غزة، إلا مرآة لسيمات هذه المرحلة الانتقالية، و لدينامية مسار من التحولات.

في مثل هذه اللحظات الانتقالية يتكثف القلق الجماعي، ونحن فعلا نعيش حالة من القلق الشامل و المركب: مجتمع قلق، سلطة قلقة، جامع قلق، كنيسة قلقة، نخب قلقة … كما تعود – مثلما نشاهد ونعيش- أشكال الصراع الأكثر عنفاً إلى الواجهة. وهو ما عبر عنه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي منذ قرن تقريباً عندما تحدث عن تلك اللحظة التي “يموت فيها القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد”، فتظهر في الأثناء ما سماه “الأعراض المرضية” في السياسة والمجتمع ( وهذا حالنا الآن و هنا ).

وإذا ما تمعنا جيدا النظر، وحاولنا ان نطل على ما يجري حولنا، و مثلما هو ماثل أمامنا في خريطة المشهد العالمي اليوم، فإن ما مؤشرات هذه المرحلة الانتقالية التي وصفها موران باللايقين وقال عنها غرامشي ان ستكون مصاحبة بالأعراض المرضية تبدو واضحة أمامنا وتبرز من خلال: عودة سباق التسلح، تصاعد الحروب المدمرة، من الحرب الروسية-الأوكرانية إلى الحرب الكارثية في غزة، وصولاً إلى المواجهة الحالية مع إيران. كما يشهد النظام الدولي عودة واضحة لصراع القوى الكبرى، بعد سنوات طوال خيل الينا فيها أن العولمة والتكامل الاقتصادي قد أنهيا منطق التنافس و الصراع الإمبراطوري، لتستفيق من جديد على عودة صراع الإمبراطوريات.

تزامن هذا المناخ، المتسم بتصاعد منسوب التوتر، مع تتراجع الثقة في منظومة القيم والمؤسسات التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، من القانون الدولي إلى المؤسسات متعددة الأطراف. و بدأت تلك المنظومة التي تقوم على ما يشبه عقداً سياسياً وأخلاقياً عالمياً، يقوم على فكرة التعاون الدولي وضبط استخدام القوة، في التراجع و هي اليوم في حالة تآكل متزايد، مع عودة منطق القوة الصلبة وتراجع فاعلية الحوار و الدبلوماسية.

في هذا السياق، لا تبدو الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، بل إحدى العلامات الدالة على تحولات أعمق تطال بنية النظام الدولي نفسه. فالعالم لا يعيش مجرد أزمة عابرة، بل مخاض نظام عالمي جديد لم يولد بعد.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الحرب لا يتعلق فقط بمآلاتها العسكرية أو بنتائجها المباشرة في الإقليم، بل بما تكشفه عن طبيعة اللحظة التاريخية التي نعيشها. إنها لحظة تتفكك فيها السردية التي حكمت فهمنا للعالم منذ نهاية الحرب الباردة، دون أن تتشكل بعد سردية جديدة قادرة على تنظيم المعنى وإعادة إنتاج التوازن.

نحن، إذن، لسنا أمام “نهاية التاريخ” كما بشّر بعض منظري التسعينيات، بل أمام نهاية سردية تاريخية كانت تؤطر فهمنا للنظام العالمي. وما نشهده اليوم ليس حدثاً عابراً، بل بداية مرحلة يعاد فيها رسم قواعد القوة والنفوذ، وإعادة تعريف أشكال العيش المشترك على مستوى العالم.

إن الاشتغال على مفهوم التحولات الكبرى – وهذا ما يشغلني منذ سنوات – لا يعني النظر إلى هذه اللحظة بوصفها كارثة تاريخية فقط، بل بوصفها أيضاً مخاضاً حضارياً مفتوحاً على احتمالات متعددة. فالتاريخ لا يتحرك في خط مستقيم، بل عبر لحظات اضطراب تعيد خلالها المجتمعات والدول صياغة توازناتها وقواعدها. من هنا فإننا لا نتعامل مع التغيير كمأزق بل كفرصة .

من هنا، تبدو الحرب على إيران جزءاً من مشهد أوسع، مشهد عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، ويتجه نحو نظام دولي مختلف لم تتحدد معالمه بعد. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح فهم التحولات أعمق من مجرد متابعة الأحداث، لأن ما يجري اليوم ليس إلا مقدمات لعالم جديد يتشكل أمام أعيننا.

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP