كتب- منذر بالضيافي: الحرب على إيران: من وهم “الضربة الخاطفة” إلى مأزق “الاستنزاف المخيف”
كتب: منذر بالضيافي
مع دخول الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران يومها العاشر، بدأت ملامح الصراع معقدة وبلا أفق معلوم، على خلاف ما كان يتصورها ساكن البيت الأبيض و حليفه في تل ابيب، فخطة ” الصدمة و الترويع” التي تم مباشرتها في الثامن و العشرين من فيفري الفارط، لم تحقق مرادها في إسقاط نظام طهران وشل حركته، برغم أنها اصابت في مقتل راس النظام – المرشد الأعلى علي خامنئي.
واستطاعت ايران امتصاص الضربة عسكريا بالرد بطريقة فاجأت اعدائها، من خلال توجيه ضربات موجعة لعمق تل ابيب واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة التي تتمركز في دول الخليج، وبالتالي توسيع نطاق جبهة القتال لتصبح إقليمية ، بارتدادات عالمية ذات كلفة عالية، بسبب تعطل تدفق البترول و الغاز ما جعل أسعاره ترتفع بشكل جنوني يهدد بإدخال الاقتصاد العالمي في ازمة مربكة بلا قرار، من هنا تداعت الأصوات المطالبة بوقف الحرب .
فرض صمود ايران امام الالة العسكرية الضاربة، واقعا جديدا، حول الضربة من ” خاطفة” إلى شبح حرب ” استنزاف، ذات ثقل سلبي في المخيال الرسمي و الشعبي الأمريكي، ليتزامن الصمود العسكري – وهو ثقافة أصيلة في ارث البلاد- مع تمكن السلطة من ترتيب وضعها القيادي، بتصعيد مرشد جديد، مثل رسالة مفادها ان بنية النظام متماسكة من جهة، وان اختيار المرشد الأعلى الجديد، هو استمرار معدل لنهج سابقه من جهة ثانية.
فالمرشد الجديد ليس إلا ابن المرشد الراحل، اما ما قصدنا بكلمة ” معدل”، فنعني به كيفية ترجيح ابن خامئني لخلافة والده، والذي – حسب تقارير متطابقة- حسم بدعم قوي وأساسي من الحرس الثوري، الذي يدير البلاد في زمن الحرب كما في زمن السلم، فهو المؤسسة الثورية الرئسية، في تركيبة وبنية نظام معقد ومشكل من طبقات تراتبية.
بعد عشرة أيام من المواجهات، التي بصدد التدرج كرة الثلج لتصبح ذات بعد كوني، تبين حدود “الضربة العسكرية المحدودة” أو “الحرب الخاطفة” التي جرى الترويج لها في البداية.
فحقائق الميدان تشير إلى توسّع مجال النار تدريجيًا، وتحول المواجهة إلى صراع إقليمي واسع في منطقة تُعد من أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم. وهو ما منح هذه الحرب بعدًا عالميًا واضحًا، ليس فقط من حيث تداعياتها الجيوسياسية، بل أيضًا من حيث تأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي وأحد أهم شرايينه الحيوية.
فمنذ الأيام الأولى للمواجهة، بدأت الأسواق المالية وأسواق الطاقة تعكس حالة القلق المتزايد من اتساع نطاق الحرب. كما أن غالبية التقارير الإعلامية الدولية وتقديرات مراكز البحث الاستراتيجي تشير إلى أن هذه الحرب تختلف عن كثير من المواجهات السابقة التي شهدها الشرق الأوسط.
فهي ليست مجرد جولة عسكرية عابرة ضمن سلسلة طويلة من الصراعات الإقليمية، بل تبدو أقرب إلى مواجهة معقدة ومتعددة الأبعاد، يتداخل فيها العسكري بالاستراتيجي، والاقتصادي بالرمزي، والسياسي بالديني.
في البداية، كان التصور السائد في واشنطن، خاصة لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يقوم على فرضية “الضربة السريعة الحاسمة”، أي توجيه ضربات قوية ومركزة للبنية العسكرية الإيرانية بهدف إضعاف النظام أو دفعه إلى التراجع السريع.
غير أن مسار الحرب في أيامها الأولى أظهر أن هذا السيناريو قد يكون قام و تأسس على تقديرات تتضمن الكثير من سوء التقدير، وربما أيضًا على نزعة سياسية تقوم على المبالغة في تقدير القدرة على التحكم في مسار الأحداث.
فإيران، رغم الضربات القاسية التي تلقتها، لا تزال تمتلك قدرة على الرد وعلى توسيع نطاق المواجهة، سواء عبر أدواتها العسكرية المباشرة أو عبر شبكة حلفائها الإقليميين. وهو ما جعل الحرب تتحول تدريجيًا إلى صراع مفتوح على احتمالات متعددة، يصعب التحكم الكامل في مساراته ومآلاته .
إلى جانب ذلك، ينبغي الانتباه إلى طبيعة هذا الصراع بالنسبة للأطراف المعنية. فبالنسبة لإسرائيل، يُقدَّم هذا الصراع في الخطاب السياسي والأمني باعتباره معركة وجودية، تتعلق بمنع إيران من امتلاك قدرات استراتيجية تهدد أمن الدولة العبرية على المدى البعيد. أما بالنسبة للنظام الإيراني، فإن المواجهة لا تُقرأ فقط باعتبارها حربًا مع خصم خارجي، بل أيضًا باعتبارها تهديدًا مباشرًا لبقاء النظام نفسه.
و عندما تتحول الحرب إلى صراع يُنظر إليه من الطرفين باعتباره صراع بقاء، فإن منطق التصعيد يصبح أكثر حضورًا من منطق الاحتواء. ففي مثل هذه الحالات، يصبح التراجع مكلفًا سياسيًا ورمزيًا، بل وقد يُفهم على أنه بداية انهيار داخلي.
لهذا السبب تحديدًا نشهد اليوم تآكلًا سريعًا لما كان يُعرف في صراعات الشرق الأوسط بـ “الخطوط الحمراء غير المعلنة”. فالكثير من القواعد غير المكتوبة التي كانت تضبط مستويات العنف في الحروب السابقة بدأت تتلاشى.
وفي هذا السياق، تشهد عمليات الاستهداف المباشر، توسيع مسرح العمليات، وتكثيف الضربات العسكرية كلها مؤشرات على أن الأطراف الرئيسية اختارت، ولو مؤقتًا، منطق التصعيد بدل منطق الضبط.
ويزداد هذا الوضع تعقيدًا عندما تقود الحرب قيادات سياسية توصف في كثير من الأحيان بالمغامرة أو المزاجية أو المتشددة. فوجود قادة يميلون إلى القرارات الصدامية في لحظة توتر إقليمي مرتفع قد يدفع الصراع إلى مستويات غير محسوبة.
ومع ذلك، فإن وصف هذه الحرب بأنها “بلا سقف” بشكل مطلق قد يكون بدوره مبالغة تحليلية. فالتاريخ الاستراتيجي للصراعات الكبرى يظهر أن الحروب، حتى الأكثر عنفًا، غالبًا ما تكون محكومة بسقوف غير معلنة.
أول هذه السقوف هو السقف النووي. فجميع الأطراف تدرك أن أي انزلاق نحو استخدام السلاح النووي سيعني الانتقال إلى مرحلة مختلفة تمامًا من الصراع، بما يحمله ذلك من مخاطر كارثية على النظام الدولي بأسره.
أما السقف الثاني فيتمثل في الاقتصاد العالمي. فالولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية، لا تستطيع تجاهل تداعيات انهيار شامل في أسواق الطاقة أو اضطراب عميق في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل هشاشة التوازنات الاقتصادية الدولية.
السقف الثالث يتعلق بالبنية الجيوسياسية للنظام الدولي. فدخول قوى كبرى مثل الصين أو روسيا بشكل مباشر في الصراع سيحوّل الحرب بسرعة إلى مواجهة دولية واسعة، وهو سيناريو يبدو أن مختلف القوى تحاول تجنبه حتى الآن.
لهذا يمكن القول إن ما نشهده اليوم ليس بالضرورة حربًا بلا حدود، بل حرب تصعيدية مفتوحة على احتمالات واسعة، لكنها لا تزال تتحرك داخل فضاء من القيود الاستراتيجية غير المعلنة.
إلى جانب السقوف الاستراتيجية الكبرى، يبرز ما يمكن تسميته بالسقف المجتمعي الداخلي للحرب، أي قدرة المجتمعات المعنية على تحمّل كلفة الصراع واستمراره. فالحروب الحديثة لا تُدار فقط في غرف العمليات العسكرية، بل أيضاً داخل الفضاءات الاجتماعية والإعلامية حيث يتشكل الرأي العام وتُختبر قدرة المجتمعات على الصبر والتماسك.
ففي الولايات المتحدة، يظل الرأي العام عاملاً حاسماً في تحديد مدى استعداد الإدارة لمواصلة حرب طويلة ومكلفة، خاصة في ظل الإرث الثقيل للحروب الممتدة التي خاضتها واشنطن خلال العقود الأخيرة.
أما في إسرائيل، فإن المجتمع يعيش حالة تعبئة أمنية دائمة، غير أن استمرار الضربات داخل العمق الإسرائيلي قد يضع هذا التماسك تحت ضغط متزايد إذا طال أمد المواجهة.
وفي المقابل، يعتمد النظام الإيراني تاريخياً على خطاب الصمود والمقاومة في مواجهة الضغوط الخارجية، وهو خطاب يجد جذوره في الذاكرة السياسية للجمهورية الإسلامية منذ الحرب العراقية الإيرانية.
غير أن قدرة أي مجتمع على تحمّل الحرب تبقى محدودة في نهاية المطاف، إذ إن ارتفاع الخسائر البشرية والاقتصادية يمكن أن يحول هذا “السقف المجتمعي” إلى عنصر ضغط سياسي يدفع نحو البحث عن مخرج تفاوضي للصراع.
على أن السؤال الأهم ربما لا يتعلق فقط بمسار المعارك الحالية، بل بما يمكن أن ينتج عنها سياسيًا واستراتيجيًا. فالحروب الكبرى غالبًا ما تكون لحظات لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وإعادة رسم خرائط القوة.
وفي هذا المعنى، قد تكون هذه الحرب بداية مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط: إما شرق أوسط يتشكل بعد إضعاف كبير لإيران ونفوذها الإقليمي، أو شرق أوسط تخرج فيه إيران من المواجهة أكثر تشددًا وإصرارًا على تطوير قدراتها العسكرية والاستراتيجية.
بين هذين الاحتمالين، يقف العالم اليوم أمام صراع لا يزال مفتوحًا على مفاجآت عديدة. ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ليس فقط: من سيربح هذه الحرب؟ بل أيضًا: أي شرق أوسط سيولد من رحمها؟ وأي وقع لهذه الحرب على مستقبل نظام عالمي جديد طور التشكل ؟



Comments