الجديد

كتب منذر بالضيافي: الشرق الأوسط .. من “سايس – بيكو حدود” الى “سايس – بيكو نفوذ”

كتب: منذر بالضيافي

من حرب غزة، الى الهجوم الاسرائيلي – الأمريكي على ايران في الصائفة الماضية، وصولا الى حالة التوتر الكبرى و الغير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط و الخليج،  المصاحب بتصاعد التجييش العسكري، الذي فاق ما حصل في حرب الخليج 2003. تجييش عسكري أمريكي، والمستهدف توجيه ضربة عسكري “مميتة” لطهران وفق عبارة للرئيس دونالد ترامب، تصريح يكشف على أن “الحملة الأمريكية” لا تقتصر على الاكتفاء بما هو موضوع على طاولة التفاوض العلني، وهو موا يحتم عدم الاكتفاء  “بتحليل الحدث”، بل لا بد من قراءة تداعياته وافاقه: بمعنى “تحليل التحولات” التي يتم في سياقها الحدث.

نتعاطى مع ما يحدث من تطورات ونذر حرب بين أمريكا وايران، ضمن أفق دراسة التحولات الكبرى الجارية،  التي تتسم  بالسرعة، التعقيد، الشمولية و الجذرية ستعيد تشكيل المنطقة و العالم. ضمن هذا السياق، وضمن هذه الدينامية، نتعاطى مع الأحداث الكبرى الراهنة، على غرار التوتر الاقليمي المتصاعد الأمريكي الإيراني.

هل  المنطقة – الشرق الأوسط والخليج – مقبلة على لحظة تأسيسية؟

و من هنا تكمن ضرورة تغيير أدوات التحليل نفسها، غبر المرور من : من قراءة الأحداث، الى قراءة التحولات، ومن سؤال “ماذا سيحدث؟” إلى سؤال “أي عالم يتشكّل؟”.. وفي المدى المنظور، وفي انتظار تشكل العالم الجديد، نحن ذاهبون نحو استدامة ادارة الصراعات لا حلها. من هنا فان السمة الغالبة على اللحظة الكونية الراهنة هي: العيش مع اللايقين.

يشهد الشرق الأوسط، بما في ذلك الخليج العربي وبلاد الشام وإيران، لحظة تاريخية فارقة تتجاوز منطق الأزمات الدورية نحو مسار أعمق يتمثّل في تفكّك النظام الإقليمي القائم وإعادة تشكّله على أسس جديدة لم تتبلور بعد.  فما نعيشه اليوم ليس مجرّد تصعيد عسكري أو توتّر سياسي عابر، بل هو تعبير عن انهيار تدريجي للقواعد التي حكمت الإقليم منذ نهاية الحرب الباردة، وربما منذ ما بعد اتفاقية سايكس–بيكو. الأمر الذي يجعل المنطقة مقبلة على لحظة تأسيسية؟

يعود أحد الجذور البنيوية لهذا التفكّك إلى الثورة الإيرانية عام 1979، التي كسرت معادلة الاستقرار السلطوي المدعوم غربيًا، وأدخلت المنطقة في صراع طويل الأمد ذي أبعاد أيديولوجية ومذهبية وجيوسياسية. لم يكن الصراع الإيراني–العربي صراع نفوذ تقليدي فحسب، بل صراعًا على تعريف الشرعية، والهوية، ودور الدولة في الإقليم. وقد تُرجم هذا الصراع في حروب مباشرة، كما في الحرب العراقية–الإيرانية، ثم في حروب بالوكالة عبر تمدّد إيراني متعدد الأذرع في لبنان واليمن وغزة وسوريا.

غير أنّ هذا النظام الهش القائم على توازن الردع غير المعلن، والاحتواء المتبادل، تلقّى ضربة نوعية مع أحداث السابع من أكتوبر في فلسطين، التي مثّلت لحظة كاشفة لانهيار منظومة الردع الإسرائيلية، وأحدثت تحوّلًا جذريًا في العقيدة الأمنية لتل أبيب. فمن منطق “إدارة الصراع” انتقلت إسرائيل إلى منطق “الحسم الشامل”، بما في ذلك شنّ حرب تدميرية واسعة في قطاع غزة، واستهداف بنى الفاعلين الإقليميين المرتبطين بمحور إيران، وصولًا إلى ضرب العمق الإيراني نفسه، سواء عبر عمليات مباشرة أو غير مباشرة، وبانخراط أميركي علني و متزايد.

في هذا السياق، لم تعد المنطقة تُدار بمنطق التوازنات المستقرّة، بل دخلت مرحلة اللايقين الاستراتيجي، حيث تغيب الخطوط الحمراء الواضحة، وتتداخل حسابات الردع بالاندفاع، وتصبح قرارات الحرب والسلم رهينة تقديرات لحظية ومغامرات محسوبة أو غير محسوبة. فالولايات المتحدة، رغم إدراكها لكلفة الحرب الشاملة مع إيران، تواصل سياسة الحشد والضغط القصوى، في محاولة لإعادة فرض الهيبة وضبط الإقليم بالقوة، دون ضمان القدرة على التحكّم في مسارات التصعيد.

تتضاعف خطورة هذا اللايقين بفعل الأهمية الجيوسياسية القصوى للمنطقة، باعتبارها مركز للطاقة العالمية، ومسرحًا لممرّات بحرية استراتيجية، من مضيق هرمز إلى باب المندب وشرق المتوسط.  وهو ما يجعل أيّ انفجار واسع في هذا الفضاء لا يهدّد دول الإقليم وحده، بل يضرب سلاسل الإمداد العالمية، وأسواق الطاقة، واستقرار النظام الاقتصادي الدولي، وهو ما يمنح الصراع طابعًا كونيًا، دون أن يعني ذلك بالضرورة انزلاقه إلى “حرب عالمية” بالمعنى الكلاسيكي، ولعل هذا ما يفسر حالة التردد الأمريكي في الهجوم على ايران.

الصين وروسيا: بين الاستثمار في الفوضى وضبط الانفجار

في خلفية هذا المشهد المضطرب، تراقب كلّ من الصين وروسيا التحوّلات الجارية بمنطق مختلف عن المنطق الأميركي. فموسكو، التي تراجعت عسكريًا في سوريا والمأزومة في أوكرانيا، ترى في تفكّك النظام الإقليمي فرصة لإرباك الغرب وتوسيع هوامش نفوذها، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.

أما بكين، فتعتمد مقاربة أكثر براغماتية، قائمة على حماية مصالحها الطاقية والتجارية، وتفادي الفوضى الشاملة التي قد تهدّد استقرار الاقتصاد العالمي.

لا تسعى الصين وروسيا إلى إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، بقدر ما تعملان على استثمار مرحلة السيولة الاستراتيجية لإضعاف الهيمنة الأميركية، ودفع المنطقة نحو تعددية قطبية غير مستقرة، حيث تتراجع فكرة “النظام” لصالح إدارة أزمات متلاحقة.

خاتمة

مفتوحة لسنا، إذن، أمام مسار حتمي يقود بالضرورة إلى حرب عالمية جديدة، ولا أمام إعادة إنتاج ميكانيكية لسايكس–بيكو جديدة. نحن أمام مرحلة تفكّك طويل للنظام الإقليمي، تتخلّلها حروب، وانهيارات وظيفية للدول، وإعادة توزيع للأدوار والنفوذ، في ظل فراغ عربي و غياب  لمشروع إقليمي جامع، وتآكل قدرة القوى الكبرى على الضبط الكامل.

الارجح، أننا أمام اعادة تشكيل ميزان القوى لا اعادة رسم الخرائط. أي امام “سايس- بيكو نفوذ” لا “سايس – بيكو حدود” ( مثلما حصل في السابق ). وفي هذا السياق، يبدوا أن المنطقة تدخل مرحلو انتقالية قد تطول، عنوانها: تفكك المركزيات القديمة ، وصعود ترتيبات أمنية مرنة ومتعددة الأقطاب.

إنه شرق أوسط ما بعد اليقين، حيث لا الخرائط ثابتة، ولا التحالفات دائمة، ولا الحروب مضمونة النهاية.

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP