الجديد

كتب منذر بالضيافي: اللحظة الترامبية .. قراءة سوسيوسياسية في أزمة النظام الليبرالي الغربي

منذر بالضيافي

تكشف ردود الفعل على سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، داخل الولايات المتحدة وخارجها، ولا سيما في أوساط النخب السياسية والفكرية في المعسكر الغربي، عن مأزق أعمق من مجرد الخلاف حول سياسات وأسلوب حكم رئيس مثير للجدل.

فقد أظهرت خطابات قادة أوروبا وكندا في الدورة الأخيرة لمنتدى دافوس، كما النقاشات الدائرة في الإعلام الغربي، حدود التصور الليبرالي الإجرائي للسياسة، الذي اختزلها طويلًا في منظومة قواعد ومؤسسات يُفترض أنها تعمل بذاتها، بمعزل عن شروط القوة والسياق الاجتماعي.  

غالبية المقاربات النقدية لترامب تنطلق من داخل الإطار الليبرالي التقليدي نفسه، وتتعامل معه بوصفه تهديدًا خارجيًا للمؤسسات الديمقراطية، وللقواعد الناظمة للنظام السياسي، وللمكاسب التي تحققت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

غير أن هذا النقد، في كثير من حالاته، يكتفي بإدانة الظاهرة دون مساءلة الشروط البنيوية التي سمحت بظهورها، أي دون مساءلة الأزمة الداخلية للنموذج الليبرالي نفسه، كما تشكّل تاريخيًا في سياق ما بعد 1945.  

من هذا المنظور، لا يمكن فهم “اللحظة الترامبية” باعتبارها انحرافًا طارئًا أو حادثًا عرضيًا سرعان ما سيزول بزوال صاحبه، بل بوصفها تعبيرًا عن تصدّعات عميقة في البنية الاجتماعية والسياسية التي استند إليها النظام الليبرالي الغربي.

وترامب، بهذا المعنى، لا يمثّل نقيض الليبرالية بقدر ما يعكس تناقضاتها، ويجسّد أزمة توافقها الاجتماعي، ويكشف هشاشة الأسس التي قامت عليها شرعيتها. والاكتفاء برفض ترامب وشيطنته، واختزاله في كونه ظاهرة سلطوية تهدد الإرث الليبرالي، يعبر عن قصور  ذهني وفكري، وبالتالي فهو لا يكفي لفهم ما جرى ولا لمنع تكراره.

فالرفض غير المصحوب بمشروع بديل، أو بإعادة نظر نقدية في أسس النموذج القائم، يفتح المجال لإعادة إنتاج الشروط نفسها التي أفرزت الظاهرة. ومن ثم، فإن التعامل مع “الترامبية” بوصفها خطرًا خارجيًا على النظام، بدل اعتبارها عرضًا لأزمة داخلية، يعبّر عن كسل تحليلي وسياسي في آن واحد.

تظهر التجربة الترامبية أن القواعد والمؤسسات لا تعمل في فراغ. فهي تحتاج إلى توافق اجتماعي وسياسي يمنحها معناها وفعاليتها، وإلى توازن قوى يجعل خرقها مكلفًا. ومع تآكل هذا التوافق، تصبح القواعد أكثر هشاشة، وقابلة للتجاوز دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انهيار النظام فورًا.

وهذا ما يفسّر قدرة التجربة الترامبية على الاستمرار وإحداث أثر عميق، رغم كثافة الاعتراضات القانونية والأخلاقية التي واجهتها. في هذا السياق، تمثل “اللحظة الترامبية” لحظة كاشفة لوهم راسخ في التفكير الليبرالي المعاصر، يتمثل في اختزال السياسة في إجراءات وقواعد يُفترض أنها محايدة.

غير أن السياسة، في جوهرها، ليست إدارة تقنية للخلاف، بل هي صراع على المعنى والسلطة، تحدده الشروط الاجتماعية والاقتصادية، ولا تُحسمه النصوص القانونية وحدها.

وعندما تنفصل القواعد عن الواقع الاجتماعي الذي يفترض أن تستند إليه، تتحول إلى شكل فارغ، قابل للاختراق والتأويل. وعليه، فإن ردود الفعل العالمية على ترامب، كما تجلت في منتدى دافوس وغيره من الفضاءات الدولية، لا تفضح فقط شخصية ترامب أو سياساته، بل تكشف هشاشة النظام الذي ادّعى طويلًا أن القواعد وحدها كافية لضبط السياسة وضمان استقرارها.

ان الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة أفراد، بل أزمة نموذج ، من هنا يبرز السؤال الذي يتجنبه كثير من نقاد ترامب داخل المعسكر الليبرالي الإصلاحي: هل تمثل “اللحظة الترامبية” أزمة عابرة داخل الديمقراطية الليبرالية، أم أنها مؤشر على نهاية نموذج تاريخي حكم الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

إن الإجابة على هذا السؤال لا تقتصر على تقييم تجربة سياسية بعينها، بل تتطلب إعادة نظر شاملة في العلاقة بين الديمقراطية، والسوق، والتوافق الاجتماعي، وهي علاقة تبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP