ما بعد الحرب على ايران: حين يصبح السلام الاختبار الأصعب !؟
كتب: منذر بالضيافي
ليس أصعب على الدول خوض الحروب، بل إدارة ما يليها. فالحرب، مهما بلغت حدّتها، تظل لحظة قرار مركّز، تُحسم فيها الخيارات تحت ضغط الضرورة. أما السلم الهش، فهو زمن التردد، وتضارب الحسابات، وتآكل اليقين. لذلك، تبدو المرحلة التي أعقبت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أكثر تعقيدًا من الحرب ذاتها، وأكثر قابلية للانزلاق نحو اللامتوقع .
لقد كشفت هذه الحرب، التي امتدت أربعين يومًا، حدود القوة لدى جميع الأطراف. لم تنجح في إنتاج نصر حاسم، لكنها في المقابل عمّقت منسوب الشك و اللايقين ، ورفعت كلفة أي تسوية ممكنة. وهنا تحديدًا تتجلى المفارقة: الأطراف التي عجزت عن الحسم عسكريًا، مطالبة اليوم ببناء تسوية سياسية في بيئة أكثر هشاشة وأقل ثقة.
في هذا السياق، تبرز وضعية دونالد ترامب كأحد أبرز مفاتيح الفهم. فالرئيس الأمريكي، الذي رفع سقف الخطاب إلى حدود غير مسبوقة، وهدد بمسح الحضارة الإيرانية، وجد نفسه أمام ارتداد مزدوج: خارجي تمثل في رفض دولي واسع لهذا الانزلاق الخطابي، وداخلي يتمثل في ضغط سياسي وإعلامي متصاعد، سواء من مؤسسات الدولة العميقة أو من حلفائه التقليديين الذين باتوا أكثر حذرًا إزاء خياراته التصعيدية.
هذا الضغط الداخلي لا يقل أهمية عن موازين القوى في الميدان. إذ لم يعد بإمكان الإدارة الأمريكية المناورة بحرية كما في السابق، بل أصبحت مقيدة باعتبارات انتخابية، وانقسامات داخلية، وتآكل في الثقة السياسية. وهو ما يجعل من إدارة “سلم هش” تحديًا مركّبًا: فكل تنازل في الخارج قد يُترجم كضعف في الداخل، وكل تصعيد قد يُفاقم كلفة الاستنزاف السياسي.
أما إسرائيل، ورغم تفوقها العسكري، فقد وجدت نفسها أمام حدود القوة الصلبة حين تتحول الحرب إلى استنزاف مفتوح، لا يفضي إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية كما خُطّط لها. وهو ما يجعلها، هي الأخرى، معنية أكثر من أي وقت مضى بتسويات لا تبدو مريحة، لكنها ضرورية.
في المقابل، تواجه إيران وضعًا أكثر تعقيدًا. فالحرب، بما خلّفته من أعباء اقتصادية وضغط معيشي، تضع النظام أمام خيارين صعبين: إما الانكفاء على الداخل وإعادة ترتيب أولوياته لضمان الاستقرار، أو محاولة استثمار “رأسمال الصمود” لتعزيز شرعيته ومواصلة حضوره الإقليمي. وفي الحالتين، فإن كلفة ما بعد الحرب تبدو أثقل من كلفة الحرب نفسها.
إن ما يتشكل اليوم ليس سلامًا بالمعنى الكلاسيكي، بل حالة من “اللاحرب واللاسلم”، حيث تستمر التوترات دون انفجار شامل، وتُدار الصراعات عبر قنوات غير مباشرة، سياسية وأمنية واقتصادية. وهي وضعية تتطلب مهارات تفاوضية عالية، وقدرة على ضبط الإيقاع أكثر من القدرة على الحسم.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من ربح الحرب؟ بل: من يستطيع إدارة ما بعدها؟
فالمرحلة القادمة لن تكون امتدادًا للحرب، بل اختبارًا مختلفًا تمامًا: اختبار القدرة على التعايش مع توازنات غير مستقرة، وعلى إنتاج تسويات بلا منتصر واضح.
ما كشفته هذه الحرب، في النهاية، ليس فقط حدود القوة، بل حدود القدرة على بناء سلام. فالعالم، كما المنطقة، لا يخرجان منها بنظام جديد واضح المعالم، بل بفراغ نسبي، وبنظام قديم فقد الكثير من تماسكه دون أن يظهر بديله بعد. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون الخطورة في الحرب نفسها، بل في ما يليها.



Comments