الجديد

مع توقع ضربة عسكرية أمريكية : العرب و ايران .. من “القطيعة” إلى “التواصل الحذر”.. ماذا تغيّر ؟

منذر بالضيافي

تنشغل غالبية الكتابات العربية، هذه الأيام، بإيران من زاوية واحدة تكاد تكون وحيدة: صراعها المفتوح مع الولايات المتحدة الأمريكية، واحتمال انزلاقه إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وقد أفضى هذا التركيز المفرط إلى ظاهرة لافتة، تحوّل فيها كثير من الصحفيين وناشطي وسائل التواصل الاجتماعي في عالمنا العربي، إلى «محللين استراتيجيين» في شؤون الحروب، فيما جرى إهمال ما هو أكثر عمقًا وأبعد أثرًا: فهم إيران ذاتها، تاريخًا وثقافةً ومجتمعًا، وعلاقتها بجوارها العربي، الذي اتسم بالعداوة والتنافر منذ قيام “الثورة الاسلامية”، وذلك قبل فهم سياساتها وصراعاتها.

هل أن مصلحة العرب في اسقاط نظامها أو حتى اضعافه، بدل محاولة تكسير جليد ما ترسب من العداوات، في محاولة لبناء سياسة جديدة تقوم على بناء “جسور ثقة” على صعوبتها، و تغليب “المصلحة” و “المشتركات”، في سياق دينامية دولية مضطربة وخاصة في الشرق الأوسط، وهذا ما تنبهت له المملكة العربية السعودية منذ فترة، والى حد اليوم وجد “تجاوب” من القيادة الايرانية، وهو ما يفسر معارضة المملكة توجيه ضربة أمريكية لطهران؟ وهو توجه سيكون مهما ويؤسس لعلاقات جديدة بين الطرفين، بعد تجلي غيوم الحرب وبقاء النظام الحالي في طهران.

***

إيران ليست مجرد نظام سياسي أو ملف نووي أو «خصم إقليمي»، بل هي، قبل كل شيء، “دولة- حضارة” ذات إرث تاريخي متجذر، ترك بصماته العميقة على الشخصية القاعدية للفرد الإيراني، وعلى علاقة المجتمع بالدولة، وعلى تصور السلطة والشرعية والزمان الطويل. من دون هذا الفهم، يستحيل تفسير قدرة النظام الإيراني، منذ قيام ثورة 1979، على الصمود أمام أزمات متراكمة: حرب مدمّرة، عزلة دولية، عقوبات طويلة، وضغوط داخلية متصاعدة.

كما أن فهم إيران يقتضي التوقف عند خصوصية التشيّع الاثني عشري في صيغته الإيرانية، لا بوصفه مجرد مذهب ديني، بل كمنظومة رمزية- سياسية تحوّلت، مع الثورة، من خطاب احتجاج تاريخي إلى أيديولوجيا دولة، لها مؤسساتها وشبكاتها وآليات إعادة إنتاجها. هذا التحول يفسّر جانبًا من تعقيد النظام الإيراني، القائم على تداخل الديني بالسياسي، والثوري بالمؤسساتي، والمنتخب بغير المنتخب.

في المقابل، ظلّت غالبية الكتابات العربية حول إيران، لعقود، أسيرة مناخات العداء السياسي ( المذهبي و الطائفي )، خصوصًا في الخليج، حيث ساد الانطباع بأن طهران تسعى إلى “تصدير الثورة” والتغلغل في العواصم العربية، وتحويلها إلى ساحات نفوذ وأذرع إقليمية. انطباع نفخت فيه وغذته سياسات ايران في الواقع، وقد أسهمت هذه السياسات، فعلًا، في تعميق أزمة الثقة بين إيران وجوارها العربي، وفي تكريس قطيعة سياسية ونفسية طويلة، خاصة مع عواصم وازنة مثل الرياض.

غير أن السنوات الأخيرة أظهرت تحوّلًا لافتًا، وإن كان بطيئًا وحذرًا، في مقاربة بعض العواصم الخليجية لإيران. برز هذا التحول، بوضوح، مع تصاعد رفضٌ خليجي – وسعودي تحديدًا – لأي ضربة عسكرية أمريكية ضد طهران، ليس حبًا في إيران، بل إدراكًا بأن الحرب لن تكون نزهة، وأن كلفتها الاستراتيجية ستطال استقرار المنطقة ومصالح أنظمتها واقتصاداتها. هنا، لا يبدو أننا أمام مصالحة، بقدر ما نحن إزاء إعادة تعريف للمخاطر والأولويات في عالم مضطرب.

هذا التحوّل يعيد إلى الواجهة سؤالًا مهمًا: هل نحن أمام بداية بناء علاقات جوار قائمة على إدارة الخلاف بدل تأجيجه؟ أم أن ما يجري لا يتجاوز حدود البراغماتية الدبلوماسية، وامتصاص التوتر في لحظة دولية دقيقة، دون مساس بجذور القطيعة العميقة؟

***

في هذا السياق، يلفت الانتباه الغياب شبه التام للكتابات العربية الجادة حول إيران، وندرة الأصوات العربية التي حاولت فهمها من الداخل. ويكفي التذكير هنا بتجربة الكاتب والصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، الذي يُعد من القلائل الذين كتبوا عن إيران بوصفها مجتمعًا ودولة، لا مجرد خصم سياسي. ففي كتابه المبكر: «إيران فوق بركان»، ثم لاحقًا في كتابه الثاني: «مدافع آيات الله»، قدّم هيكل قراءة داخلية لمسار التحول الإيراني، من دولة حليفة لواشنطن في عهد الشاه، إلى جمهورية إسلامية ذات مشروع مستقل، داعيًا إلى التعايش العربي مع إيران بدل شيطنتها.  يومها، قوبلت دعوة هيكل بالرفض والريبة، خاصة خليجيًا.

أما اليوم، ومع تغيّر السياقات الدولية، وصعود الصين، و قدوم دونالد ترامب في اشنطن بسياسات مختلفة عن تلك التي عرفناها أمريكيا، وانشغال المنطقة باستحقاقات ما بعد النفط، يبدو أن منطق القطيعة المطلقة لم يعد قابلًا للاستمرار، دون أن يعني ذلك زوال أسباب الخلاف.  

وهذا ما حرصت عليه دول الخليج العربي في السنوات الأخيرة، في مسعى لخلق مناخات للتعايش، وهو ما أصبح واقعا، ومع ذلك لابد من التأكيد على أن هذا التواصل العربي–الإيراني الراهن، هو تواصل حذر، رمادي، غير رومانسي؛ تفرضه حسابات الاستقرار، لا الثقة المتبادلة، وتحدده الرغبة في تجنب الانفجار، لا بناء تحالفات جديدة.

وهو، في كل الأحوال، خطوة أولى تظل هشّة، ما لم تُرفق بإنتاج معرفة عربية جادة عن إيران، تتجاوز منطق التعبئة والخوف، وتستعيد فضيلة الفهم بوصفه شرطًا لأي سياسة عقلانية. مقابل استمرار قادة طهران في التخلي عن سياسات هي محل ريبة لدى الجانب العربي. وسيكون الموقف العربي – الخليجي،  الرافض لهجوم عسكري امريكي على ايران، وبعد عودة الاستقرار وابتعاد شبح الحرب، الأساس الذي سوف تبنى عليه مستقبل العلاقات بين العرب و ايران.

و هنا نذكر أن دول الخليج، ولا سيما السعودية، تنظر إلى احتمال سقوط النظام الإيراني من زاوية الاستقرار الإقليمي أكثر من منطق الصراع الأيديولوجي. فبرغم الخلافات الحادة مع طهران، يبقى وجود دولة مركزية قابلة للردع والتفاهم أقل كلفة من سيناريو الانهيار والفوضى.

انهيار النظام بالقوة قد يفتح فراغًا واسعًا في دولة ذات وزن ديمغرافي وجيوسياسي كبير، بما يحمله ذلك من مخاطر تفكك وفواعل غير منضبطة. من هذا المنطلق، تميل الرياض إلى تفضيل إضعاف النفوذ الإيراني وضبط سلوكه، بدل المجازفة بانهيار شامل يصعب احتواؤه.

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP