الجديد

منذر بالضيافي يكتب: الحرب على إيران… نحو لحظة تأسيسية للنظام العالمي

منذر بالضيافي

ليست الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران، منذ أكثر من شهر، مجرد مواجهة عسكرية ذات أفق زمني محدود، ولا حدثًا يمكن احتواؤه ضمن حسابات المدى القريب. ما يتكشّف تدريجيًا هو أننا إزاء حرب تتجاوز لحظتها الراهنة، لتفتح أفقًا ثقيلًا من التداعيات بعيدة المدى، قد تمتد آثارها لعقود قادمة.

هذا التقدير لم يعد مجرد قراءة تحليلية، بل بدأ يجد صداه داخل دوائر القرار الدولي نفسها. فقد حذّر مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماع طارئ لوزراء الدول الأعضاء، من ضرورة الاستعداد لـ”اضطراب طويل الأمد” في أسواق الطاقة، في إشارة واضحة إلى أن تداعيات الحرب لن تكون عابرة، بل مرشّحة لإعادة تشكيل أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي.

تجري هذه الحرب في واحدة من أكثر مناطق العالم تركيبًا وتعقيدًا: الشرق الأوسط، الذي ظل منذ منتصف القرن الماضي بؤرة توتر دائم. فمنذ نشأة إسرائيل، التي لم تنجح في الاندماج الكامل في محيطها الجغرافي، تعاقبت الحروب والصدامات، وتحولت المنطقة إلى مجال مفتوح لصراعات متعددة المستويات: إقليمية ودولية، سياسية ورمزية، مادية وثقافية.

لكن ما يضفي على الحرب الحالية طابعًا نوعيًا، هو تداخل هذه المستويات بشكل غير مسبوق. فهي، من جهة، حلقة ضمن صراع دولي أوسع على النفوذ وإعادة توزيع موازين القوة في منطقة حيوية تختزن ثروات نفطية هائلة، وتتحكم في معابر بحرية استراتيجية. وهي، من جهة أخرى، صراع يتغذّى من استدعاء كثيف للرموز الثقافية والدينية، بما يضاعف من حدّته ويعقّد إمكانيات احتوائه.

على المستوى الاقتصادي، بدأت تداعيات الحرب تتجاوز الإقليم بسرعة لافتة. فقد مسّ التصعيد في عمقه إنتاج وتصدير النفط، وهو ما انعكس مباشرة على استقرار الأسواق العالمية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليطال سلاسل إمداد المواد الأولية والغذائية، في عالم لم يتعافَ بعد بشكل كامل من اختلالات سابقة. هذا التداخل بين الطاقة والإمدادات ينذر بإمكانية تشكّل مناخ ركود اقتصادي عالمي، قد يكون طويل الأمد—وهو ما ينسجم مع التحذيرات الأوروبية الأخيرة.

وفي السياق نفسه، تتقاطع هذه المخاوف مع تحذيرات إقليمية لا تقل أهمية. فقد كشف وزير الخارجية التركي عن كواليس مقلقة تتعلق بمسار الحرب، محذرًا من مخاطر اتساع رقعتها وتحولها إلى صراع مفتوح، مع ما قد يحمله ذلك من تداعيات تمتد لسنوات طويلة، وربما لعقود. وهو تحذير يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الفاعلين الإقليميين بأن الحرب لم تعد قابلة للحصر ضمن جغرافيا محدودة أو سقف زمني قصير.

غير أن الأثر الأعمق للحرب لا يكمن فقط في ارتداداتها الاقتصادية أو الأمنية، بل في ما قد تفتحه من تحولات بنيوية. إذ يبدو أن هذه الحرب قد تسرّع في إعادة طرح أسئلة كبرى حول شكل الدولة ووظيفتها، في ظل ما تكشفه من حدود نموذج الدولة القومية التقليدية، خاصة عندما تجد نفسها منخرطة في صراعات تتجاوز قدرتها على التحكم في مساراتها.

وفي الأفق الأوسع، قد تسهم هذه الحرب في تسريع تشكّل ملامح نظام عالمي جديد. نظام يتأسس على توازنات مغايرة، وعلى إعادة ترتيب لمراكز القوة، بعد أن بدأت مؤشرات أفول النظام السابق تتراكم منذ سنوات، لتأتي هذه الحرب وتمنحها دفعًا إضافيًا. من هنا، فإن التعاطي مع ما يجري لا ينبغي أن يظل حبيس القراءة الحدثية أو التفسير الظرفي. نحن، على الأرجح، أمام لحظة مفصلية، تختلف في طبيعتها واستراتيجياتها عن معظم الحروب التي عرفتها المنطقة منذ النصف الثاني من القرن الماضي. لحظة قد لا تُقاس فقط بنتائجها المباشرة، بل بما ستتركه من آثار عميقة في بنية العالم نفسه.

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP