منذر بالضيافي يكتب عن: الدبلوماسية العُمانية .. قوة الهدوء في زمن الضجيج /تحليل اخباري/
منذر بالضيافي
كتب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي ، عبر منصة X، منشورًا توجه من خلاله بنداء دعا فيه الى ضرورة تمديد وقف إطلاق النار ومواصلة المحادثات بين الولايات المتحدة الأمريكية و ايران. وكان الوزير العُماني صريحاً وجريئاً حين قال: “النجاح يتطلب تقديم تنازلات مؤلمة من الجميع”، محذراً من أن ألم التنازل لا يُذكر أمام ألم الفشل والحرب الشاملة.
وبالمناسبة، لابد من الاشارة الى أن مسقط، التي لطالما كانت الوسيط الموثوق بين واشنطن وطهران، ترى أن فرصة السلام لا تزال قائمة، لكنها تتطلب شجاعة سياسية غير تقليدية لكسر حلقة النيران الجارية.
في كل مرة تُغلق فيها قنوات التواصل بين الولايات المتحدة وإيران، تفتح نافذة صغيرة في مسقط. ليست صدفة دبلوماسية عابرة، بل نتيجة مدرسة كاملة في إدارة الموقع والدور.
لم تبنِ سلطنة عُمان نفوذها على الصخب، بل على “الصمت الاستراتيجي”، ولم تراكم وزنها عبر المحاور، بل عبر المسافة المتساوية من الجميع. ومنذ عهد السلطان قابوس بن سعيد، تشكلت في السلطنة ما يمكن تسميته “عقيدة الحياد الإيجابي”: لا انخراط في الاستقطاب، ولا قطيعة مع المختلف، ولا استثمار إعلامي في الوساطات.
هكذا صارت مسقط مساحة آمنة حين تتعطل المساحات الأخرى. و الجغرافيا هنا ليست تفصيلاً. فالإشراف على مضيق هرمز يجعل الاستقرار مصلحة وجودية لا ترفًا سياسياً. لذلك تفهم عُمان أن أي انزلاق إلى مواجهة مفتوحة يعني تهديدًا مباشرًا لأمنها وأمن الطاقة العالمي.
لكنها، بدل تحويل هذا الموقع إلى ورقة ضغط، حوّلته إلى منصة تهدئة. وهذا ما يفسر قبولها كوسيط “غير مُشتبه في نواياه”، في إقليم شديد التوتر و مسكون بحالة مرضية من الشكوك المتبادلة.
وإذا نظرنا إلى الداخل الخليجي، تتضح فرادة النموذج العُماني أكثر. فقد استطاعت مسقط النأي بنفسها عن الصراعات الخليجية–الخليجية لأنها لا ترى ذاتها “مركزاً قيادياً” يسعى إلى تثبيت هرم نفوذ كما هو حال نموذج الدولة المركزية التقليدية في المملكة العربية السعودية، ولا تعتبر نفسها ايضا “دولة منصة” أو “دولة وظيفية”، تستثمر فائض الحركة والدور كما كما هو حال الإمارات العربية المتحدة و قطر.
عُمان أقرب إلى نموذج الدولة المتوازنة التي تعرّف أمنها بالاستقرار لا بالمبادرة الصراعية، وبخفض التوتر لا بإعادة تشكيل موازين القوى. لذلك لم تدخل في منطق الاستقطاب الحاد خلال أزمات الخليج، ولم تنخرط في سياسات الحصار أو كسر الإرادات، بل حافظت على مسافة واحدة من الجميع، حتى وهي تختلف معهم.
وهنا لابد من الاشارة الى أن المسألة أعمق من مهارة دبلوماسية، إنها رأسمال ثقة راكمته الدولة عبر الاستمرارية. لم تُسرّب قنوات خلفية، لم تُشهّر بأحد، ولم توظّف الوساطة لفرض وصاية.
و حتى مع انتقال الحكم إلى السلطان هيثم بن طارق، استمرت المدرسة الديبلوماسية هي ذاتها بأدوات أكثر هدوءً وانضباطًا، فيما يتحرك وزير الخارجية بدر البوسعيدي بخبرة من يعرف أن التقدم الحقيقي يُقاس بما لا يُعلن.
في لحظة سيولة إقليمية، حيث تتآكل يقينيات ما بعد الحرب الباردة وتتصاعد حروب الوكالة والهويات، تبدو عُمان كأنها تشتغل خارج منطق “الغلبة”. لا تبحث عن دور قيادي صاخب، بل عن وظيفة ضرورية قوامها: إبقاء الخيط موصولاً بين خصوم لا يثقون ببعضهم.
السؤال اليوم ليس فقط عن تقدم جولة تفاوض هنا أو هناك، بل عن عودة الدبلوماسية الخلفية كآلية لإدارة الصراع بدل تفجيره. وفي عالم يتقن صناعة العداء، تبدو مسقط بارعة في هندسة المسافات.



Comments