الجديد

هشام الحاجي

الهيام بالجمعيات الرياضية .. قصة عشق لا تنتهي  

هشام الحاجي

فرض فيروس الكورونا على الجميع الانتقال من حالة الحركة و ما يرتبط بها على جميع الأصعدة من انفتاح و بحث عن الإشباع إلى حالة الركود و ما يشبه “السبات الشتوي” الذي يفتح الباب على المستوى النفسي أمام التذكر و الحنين و خاصة الاشتياق إلى ما كان مألوفا من الأماكن و الأشخاص و الأشياء و العادات.

يبدو “سكان كوكب كرة القدم ” أكثر الذين يكابدون من قطع حبل الود و الإتصال الذي يربط بينهم و بين هذا الكوكب و مكوناته التي تبقى الجمعية التي تسكن في سويداء القلب أهم مكوناته.

ذلك أن التعلق بجمعية رياضية يتخذ في أغلب الأحيان مظاهر و أشكال تتجاوز ” المعقولية” و يؤثر في السلوك إلى الحد الذي جعل الظاهرة محل بحث و اهتمام خاصة و أنه يمكن اعتبارها عابرة للأجيال و القارات و المجتمعات.

فما الذي يجعل العلاقة بالجمعية الرياضية تتحول إلى علاقة عشق لا تزيدها الأعوام إلا رسوخا و عمقا و يرتقي بها في بعض المجتمعات إلى ما يشبه اعتناق “دين دنوي” بل أن عبارة شهيرة في إيطاليا تعتبر أنه من الوارد و المقبول تغيير الديانة و لكن من المستحيل تغيير الجمعية الرياضية التي يختارها الإنسان و يمنحها عشقه و هيامه.

يمكن القول أن أول إختيار لمكونات الهوية الذاتية في حياة الإنسان هو إختيار الجمعية الرياضية حتى و إن تدخلت ” الصدفة” او ” المحددات الإجتماعية ” في هذا الإختيار.

لا يختار الإنسان إسمه و لا العائلة التي ينتسب لها بكل ما في ذلك من ” معطيات موروثة ” و تقريبا لا مناص منها و لكن إختيار الجمعية الرياضية يكون أول أشكال الإنتماء و بناء علاقات إجتماعية التي يختارها الإنسان.

هذا الإختيار قد يكون للعائلة دور فيه إذ يندرج في إطار الحفاظ على ” إرث رمزي ” كما أنه قد يكون أول أشكال تحدي المحددات العائلية و الإجتماعية.

و في كلتا الحالتين فإن في الأمر مسؤولية يتعين الحفاظ عليها. و هذه المسؤولية تغذيها العلاقات التي تنبني انطلاقا من قاعدة ” الانخراط الفاعل” في ” عشق الجمعية” إذ أن تغيير الجمعية يرتقي إلى درجة ” الخيانة”.

كما   يمثل “وصمة” لا تمحى في جبين مرتكبها. هناك أيضا ما تمنحه الجمعية الرياضية من أدوات إضافية لتعريف الإنسان في حياته اليومية و غالبا ما يتحول إبراز الإنتماء الرياضي إلى عامل من عوامل المساعدة على إقامة علاقات إجتماعية او اعاقتها.

و إضافة إلى ذلك فإن عشق الجمعية الرياضية يوفر مجالا للتماهي العاطفي مع “موضوع عاطفي متعالي” و لكنه محسوس.

ذلك أن الشعور الوطني هو أبرز أشكال و مواضيع التماهي العاطفي و لكنه موضوع متعال إلى حد كبير و هو أقرب إلى الفكرة المجردة في حين أن الجمعية الرياضية كيان ملموس برموزه و ” معيشه” المتغير.

يلعب “المعيش المتغير ” دورا في عمليات التماهي لأن مراوحة الجمعيات الرياضية بين الانتصارات و الهزائم يمنح المرء القدرة على المقاومة الرمزية و على تلطيف التجاذب النفسي و الإجتماعي بين التفوق و التعثر.

يضاف إلى ذلك أن الجمعية الرياضية ترافق الإنسان على امتداد حياته و هو ما يجنبه مرارة الإحساس بالخسارة و الفقد إذ تؤثث حياة الإنسان ارتباطات عاطفية بالاباء و الابناء و الأصدقاء و بقرين او أكثر و لكن إمكانية الابتعاد عن بعضهم او كلهم لسبب او آخر تبقى قائمة في حين تبقى الجمعية الرياضية حية و مستمرة.

إنها من هذه الزاوية ” ايروس” الذي يحارب ” تاناتوس” او أحد أوجه الحياة في مواجهة الخوف من الموت و هو ما يزيدها رسوخا علاوة على أن الإحالة إلى السجل الفرويدي يحيل إلى ما تحيل اليه الجمعية الرياضية من رواسب “طوطمية” .

فهي تسكن في أعماق الذات الإنسانية من بحث عن “قبيلة مصير” و ” عنف رمزي” و ” طقوس قتل رمزي” تمكن الرياضة من خلال ممارستها او مشاهدتها من ” اشباعها” دون مساءلة اجتماعية بل أن هذا الإشباع غالبا ما يكون محل تثمين إجتماعي.

محب الجمعية الرياضية يشعر أيضا أنه “الوحيد الباقي ” في حياة الجمعية إذ يتغير المسؤولون في إطار التداول على المسؤوليات و المهام و يعتزل اللاعبون اللعب او يغيرون الألوان و لا يبقى إلا المحب مرتبطا بجمعيته إلى آخر نبض في قلبه و هو ما يجعله “رمزيا ” مسؤولا عن الجمعية الرياضية و عن ” مصيرها “.

 

هشام الحاجي [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP