الجديد

منذر بالضيافي

اعلامنا في قفص الاتهام !

** اعلامنا فشل في الاستفادة من مناخ الحرية الذي سمحت به ثورة 14 جانفي 2011

** انتقلنا من اعلام الدولة الى اعلام رجال المال

** تهميش العمل الصحفي لصالح هيمنة “دكتاتورية الكرونيكورات”

** برامج “البوز” سقطت في الابتذال وفي التلاعب بعقول المشاهد لتصل الى افساد “الذائقة”

** لا يمكن ممارسة الصحافة بدون عمق ثقافي و معرفة بالتاريخ و بما يجري في رحم المجتمع من تحولات

** الصحفيون قادة راي وليسوا “قضاة” وناشرين للكراهية

 

كتب: منذر بالضيافي

عاد الجدل بعد الحوار الأخير لرئيس الحكومة الياس الفخفاخ، حول أداء ومهنية الاعلام التونسي، خاصة ما يعرف بوسائل الاعلام الجماهيرية (القنوات التلفزية والاذاعات )، وسط اشارات صريحة الى وجود “ضعف كبير”، لدي السواد الأعظم مما يقدم من مادة ومحتويات اعلامية، وأن اعلامنا فشل في الاستفادة من مناخ الحرية الذي سمحت بها ثورة 14 جانفي 2011، لإعادة بناء مشهد اعلامي يساهم بجدية في طرح القضايا الأساسية للمرحلة السياسية التي تمر بها البلاد، ويرافق بصفة نقدية وبوعي مسار الانتقال الديمقراطي، ويكون حارسا له من كل محاولات “الزيغ” التي تستهدفه.

وهذا طبعا لا يمكن أن ينفي بعض المحاولات الجادة التي بقت معزولة، لكن في المحصلة رأينا أنه تم “تحويل وجهة” القطاع الغالب من منابرنا الاعلامية،التي تعاني أصلا من أوضاع “هشة”، خاصة التلفزية والاذاعية، من قبل أجندات مالكي وسائل الاعلام، لننتقل من اعلام تحت رقابة وهيمنة السلطة، الى اعلام بيد “رهط” من المستثمرين، عملوا على تجييره لفائدتهم ولمصالهم المالية وحتى السياسية.

مشهد اعلامي جديد، يمشي على رأسه، اذ تم فيه وبشكل منهجي تهميش الكفاءات الصحفية، لصالح فئة جديدة من الوافدين على القطاع، أو ما يمكن أن نطلق عليهم ب “دكتاتورية الكرونيكورات”، الذين احتكروا  الشاشات وتحولوا  الى “نجوم”، على حساب العمل الصحفي “التقليدي.

كما انتشرت برامج “البوز”، التي باسم التنافس حول “الأوديمات”، بوصفها الطريق لجلب الاشهار والاعلان، سقطت في الابتذال وفي التلاعب بعقول المشاهد، لتصل الى افساد “الذائقة” العامة/ حصل كل ذلك في غفلة وصمت مريب من المجتمع وخاصة هياكل المتابعة والتعديل ولا نقول المراقبة.

من خلال متابعة موضوعية لإعلامنا الوطني، في مرحلة ما بعد الثورة، نسجل أنه وبرغم هامش الحرية الهام فان الكثير مما يبث في الإذاعات، وما نشاهد في القنوات التلفزية العمومية والخاصة، وكذلك ما نقرأ في الصحف والمواقع لم يرتق إلى متطلبات المرحلة ودقتها في تحديد مستقبل تونس.

وأصبحنا نشاهد ما أصطلح التونسيين على تسميته “بالانفلات الإعلامي”، الذي يغلب على الكثير منه اللامعني .

لقد فاجأت الثورة الإعلاميين أيضا، الذين دجنهم نظام ما قبل الثورة، وحولهم إلى شهود زور على ما يجري في البلاد. وتم تفريغ المؤسسات الإعلامية من كل الكفاءات التي اختار الكثير منها الاستقالة والجلوس على الربوة، على الانخراط في السائد، ومن بقى اختار السكينة والمهادنة لتأمين البقاء.

يرجع العديد من المختصين في حقل الإعلام تعثر هذا القطاع في تونس عن مواكبة ما حصل في تونس يوم 14 جانفي، إلى عدة عوامل منها الإطار المجتمعي والسياسي العام في البلاد، والذي اتسم بالانغلاق وغياب حرية الرأي والتعبير.

وهناك عامل اخر وهو مهم وأساسي – وكشفت عنه مرحلة ما بعد الثورة- ويتمثل في نقص في التكوين لدي قطاعات من الممارسين للمهنة، ويبرز من خلال الإنتاج الإعلامي، ويمكن البرهنة على ما نقول من خلال قراءة في مضمون ومحتوي ما كتب وقيل وعرض في القنوات التلفزية .

كما تفسر هذه الحالة  بطبيعة العلاقة بين القراءة و الكتابة، لدي الكثير من العاملين في الحقل الإعلامي، فهذه العلاقة في تصوري و فهمي جدلية أو لا تكون، فلا يمكن لأي كان من البشر أن يكون كاتبا جيدا، و هو في حالة عزوف أو غربة عن القراءة، فالمعرفة تراكم ثم ابداع.

قناعة أدركتها من علي مدارج كلية العلوم الانسانية و الاجتماعية بتونس،  و تحديدا في قسم علم الاجتماع،  هذا “العلم المزعج ” علي حد تعبير عالم الاجتماع الكبير بيار بورديو.

وقد تجذر تلازم وترابط “الكتابة” و “القراءة” من خلال ممارستي للصحافة،  و افتتاني بهذه المهنة ، التي حولتني الي “جورنالجي” وفق عبارة الكاتب والصحفي الكبير محمد حسنين هيكل.

ان القراءة المدركة و الواعية تدفعك للتفكير و التأمل ثم و في مرحلة لاحقة التفاعل،  و ذلك عبر التعليق الذي لا يكون الا عبر فعل الكتابة. وهذا هو جوهر الممارسة الصحفية، التي هي بمثابة تفاعل مستمر و بدون انقطاع مع الأحداث.

وهو ما يحتم علي الصحفي أن يكون في حالة يقظة و متابعة للشأن الجاري، و التسلح بالقراءة حتي يكون قادرا علي الربط بين الأحداث و الوقائع، و يرجعها أو يؤطرها ضمن سياقها الأيديولوجي و السياسي .

فلا يمكن ممارسة الصحافة بدون عمق ثقافي، و معرفة بالتاريخ و بالجغرافيا… وبهذا تصبح الكتابة الصحفية – وعلي خلاف ما يتصور البعض – مسؤولية و ليست مجرد ترف فكري، فهذا الجنس من الكتابة أو التعليق التلفزي والاذاعي الموجه لقطاع واسع من الناس ، والذي يؤطر و يوجه ما يسمي “بالرأي العام ” يجب التعاطي معه بعيدا عن السهولة أو الاستسهال، وهذا ما نجده في الكثير مما يكتب و يحبر علي أعمدة الصحف وأيضا مما يقال في القنوات التلفزية والمحطات الاذاعية.

ان العمل الصحفي المهني، وخاصة فعل  الكتابة هو برأي مهمة شاقة و قاسية، و لا يقدر عليها إلا القليلون ممن لهم باع و ذراع في العلم و سعة الفهم وكذلك المتابعة.

إن الكتابة أو التعليق التلفزي والاذاعي حينما تتحول إلي “واجب” أو “تسجيل حضور” تفقد رسالتها و تتحول إلي لعب بالكلمات و تحبير لبياض و تفقد صاحبها مصداقيته. وكذلك استمرار وجوده وهذا حال الكثيرين ممن “اغتصبوا” المشهد الاعلامي.

إن “رأسمال” الصحفي هو قلمه وتصريحاته وأقواله (ما يكتب و يقول) ، و الذي يستمده من عقلانية و موضوعية مقاربته، التي هي المعيار الوحيد للحكم علي ما يكتب، و التي تعبر أيضا عن سعة ثقافته و تنوع و غزارة قراءاته وكذلك مدي مواكبته لما يجري في رحم المجتمع الذي يعيش فيه، و يحمل آمال و تطلعات أفراده و نخبه.

بعيدا عن “العنتريات” و “اللغو- النضالي” , التي تحول الممارسة الصحفية إلي “فرقعة” سياسية،  وهو سلوك أصبحنا نشاهده يوميا في بعض الفضائيات التي أوكلت لنفسها مهمة “توجيه” و “قيادة” الرأي العام. نقول أن الصحفيين و “الكرونيكورات” ليسوا قضاة لمحاكمة هذا الطرف أو ذاك، أو للتطاول علي هذا الرمز أو ذاك، بقدر ما هم حراس لقيم العقلانية والتقدم، في مواجهة الظلام ودعاة الردة عن المكتسبات التقدمية التي تحققت في الكثير من المجتمعات العربية.

فهذا هو جوهر الممارسة الصحفية مكتوبة أو مرئية، و ما عداها فهو باطل، و بمثابة حرث في أرض بور لا زرع فيها.

 

 

 

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP