الجديد

الغنوشي من صفاقس .. لن نمنح الثقة للحكومة

علاء حافظي

في الوقت الذي ينتظر فيه التونسيون احزابا ومنظمات ومواطنين اعلان هشام المشيشي على حكومة “الكفاءات غير الحزبية”، وتتعالى التكهنات حول مدى قدرتها على نيل الثقة، ويتصاعد التنجيم على وزرائها، يختار رئيس الحركة الاولى في البرلمان الحالي عقد اجتماع “جماهيري” و أقام على هامشه ندوة صحفية.

ونعتقد ان ما حصل أمس الأحد في صفاقس لم يكن امرا بريئا، بل كان مقصودا وله طابع رمزي يجعله محملا برسائل عديدة لباقي مكونات المشهد السياسي والمؤسساتي في البلاد. و بينما اكتفى اغلب الصحفيين و “نُخب الفايس بوك” بالتركيز على ما قاله راشد الغنوشي في علاقة بانتشار الكورونا وعزل وزير الصحة، فان الاهم في اعتقادنا يكمن في أمور أخرى، ليس أقلها تذكير الغنوشي بكون حكومة الكفاءات مسالة استثنائية تجعل الانتخابات سلوكا عبثيا، لذلك يتوجب تحديد مدتها والاتفاق عليها وعلى أهدافها، ودون ذلك فان النهضة لن تمنحها ثقتها بحسب قرار المكتب التنفيذي الذي رفع ذلك الى مجلس الشورى.

رسالة للرئيس… وللأحزاب

أكد راشد الغنوشي في ندوته الصحفية على حرص الحركة على تغيير النظام الانتخابي حتى يُصبح قادرا على إنتاج اغلبيات قادرة على الحكم. فحال عدم الاستقرار السياسي والحكومي نتيجة لهذا القانون الانتخابي الذي أدى إلى تعاقب تسع حكومات والى إنتاج برلمانات مشتتة. و يُمسك راشد الغنوشي بذلك، ومن ورائه النهضة بهذه المبادرة التشريعية، قبل رئيس الجمهورية نفسه. فنحن نعلم ان قيس سعيد كان كثيرا ما يُشير في حملاته التفسيرية الى نيته طرح مبادرة تشريعية لتغيير القانون الانتخابي حتى يكون على الأفراد ومن دورتين على ان يشمل مسالة “سحب الوكالة”.

مبادرة النهضة بالإسراع في العمل على تقديم مبادرة تشريعية لتغيير النظام الانتخابي نعتقد أنها “قطع طريق” أمام مشروع الرئيس “الغامض” ونحسب انه سيكون قانونا مُكرّسا لطبيعة النظام السياسي ويُحافظ على البرلمان باعتباره قلب العملية السياسية، ومن الممكن ان يشمل مسالة العتبة وحتى مسالة سحب الوكالة نفسها، وهو أمر تعرض له راشد الغنوشي، قبل قيس سعيد، وذلك في كتابه “الحرية في الإسلام”.

الحرص على ضمان أغلبية برلمانية من خلال تغيير نظام الاقتراع فيه رسالة أيضا للأحزاب السياسية وبخاصة للدستوري الحرّ و “مشروع الرئيس”، تقول أن النهضة مستعدة للانتخابات وللمنافسة وأنها تقبل “تحدي” الصندوق ديمقراطيا.

ولكن الرسالة الأهم التي وجهها راشد الغنوشي لرئيس الجمهورية تكمن في إعلانه ان الحركة ستعمل على ضمان أغلبية برلمانية للتعجيل بانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، فقد أكد على أهمية هذه المؤسسة وبخاصة على مخاطر غيابها، إذ قال  ” ما ثماش جهة تتمتع بمشروعية حقيقية لتفسير الدستور” وهي جملة موجهة مباشرة لرئيس الجمهورية الذي كرر اكثر من مرة انه وفي ظل غياب المحكمة الدستورية يستأثر حصريا بتأويل الدستور. لذلك أضاف الغنوشي ” نفكر في الدعوة لجلسة استثنائية لتغيير قانون المحكمة الدستورية لانتخاب ثلاث أعضاء و يمكن النزول إلى الــ “109””.

رسالة للنواب… لقد نجحتُ

بدا راشد الغنوشي مرتاحا لتجربته في رئاسة البرلمان. فقد أكد انه نجح في تسيير البرلمان في السنة الأولى التي “بدأت بانتخابي وانتهت بعرضي على الثقة وتأكدت الثقة”. وعرّج رئيس البرلمان على حرص بعض الأطراف على تقديم صورة سلبية للمجلس ولعمله، إذ تقوم بتقديم مشهد سلبي قائم على الخصومات والمشاحنات للرأي العام في الإعلام وهي صورة سلبي للبرلمان”  دعمتها مجهودات بعض القوى التي تعمل من داخل البرلمان على تعطيل أعماله. ولكن تقارير بعض المنظمات والجمعيات يؤكد عكس ذلك، واستشهد راشد الغنوشي بمنظمة بوصلة  التي “بينت بالإحصائيات ان هذا البرلمان يتفوق على البرلمان السابق من جهة القوانين او الاتفاقيات والرسائل والتحقيقات بأكثر من 30 في المئة” و أضاف “ثم عملية تشويه مقصودة. وهذا البرلمان كان له دور كبير في التشريع مثل قانون الاقتصاد التضامني او قانون تشغيل العاطلين اوالتمويل التشاركي وهي دورة ناجحة في الجملة رغم المعيقات”.

رسالة للقوى السياسية…وللخارج

اكد راشد الغنوشي ان النهضة عنصر استقرار في البلاد وان هذا هو منهجها. ولكن الاهم في اعتقادنا هو حجم التعبئة الجماهيرية للحركة في صفاقس. فقد كان اجتماع هياكل الحركة كثيف الحضور، كأنه يقول ام “النهضة” مستعدة للانتخابات المُبكّرة من جهة وانها حركة موحدة من جهة ثانية. وليس افراد رئيس الحركة لجزء من ندوته الصحفية للإشادة بعبد اللطيف المكي “القائد الناجح في حرب الكورونا” الا دليلا على ان صراعات النهضة الداخلية لا تؤثر على وحدتها التنظيمية وعلى استعدادها الدائم للمحطات السياسية والانتخابية.

هذه الرسالة التي يتوجه بها الغنوشي والنهضة لرئيس الحكومة المكلف عشية إعلانه على تشكيل حكومته تقول ايضا انها جادة في التمسك بشروطها التي أعلنتها بخصوص رغبتها في ان تكون الحكومة سياسية او على “الأقل” ان تكون للأحزاب “رأي/حق” التحفظ على بعض وزرائها. لذلك عبّر على استعداد للتعاون مع المشيشي لكنه صرح بكون مكتبه التنفيذي اوصى بعدم التصويت لها.

كما يبدو ان النهضة رامت من خلال هذا الاجتماع ان توجه رسالة للأحزاب والقوى السياسية التي تُنادي بإقصاء النهضة، بكونها حزب جماهيري وله قاعدته الاجتماعية التي لا يُمكن باي شكل من الأشكال القفز عليها، وإنها تظل “حزبا جاهزا”. كما تُعلن الحركة للقوى الإقليمية والدولية انها عنصر استقرار في اقليم يتميز بارتفاع مستويات التوتر فيه في الشقيقة ليبيا وفي حوض البحر الأبيض المتوسط وفي الساحل الصحراوي.

تلك رسائل عديدة، توجه بها راشد الغنوشي من مدينة صفاقس إحدى أهم المدن التونسية وإحدى قلاع الحركة القوية. ونعتقد انها رسائل هامة، تكشف استعداد النهضة لكل السيناريوهات المُمكنة وبخاصة سيناريو حل البرلمان. ونعتقد ان لقاء الغنوشي بالياس الفخفاخ قبل يومين وتصريحات رئيس الحكومة المستقيل التي نادى فيها بضرورة إيجاد صيغ “تعاون” بين حكومة الكفاءات غير الحزبية والأحزاب تدخل في هذه الرسائل. وأعلن الغنوشي في صفاقس ان “المعركة” مع الرئيس قيس سعيد باتت مفتوحة ولكنها يجب ان تبقى داخل المؤسسات، وداخل التجربة الديمقراطية. لذلك فان النظام الانتخابي يجب ان يكون من خلال البرلمان ومن خلال الأغلبيات البرلمانية وان التأويل الدستوري “مشاع” بين المؤسسات في ظل غياب محكمة دستورية.

 

 

 

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP