الجديد

ألا تستحق تونس إعلاما أفضل؟

بقلم: د.خالد شوكات
عندما اجد وقتا لمشاهدة التلفزيون فانني أضع غالبا “الميادين”، لانها قناة راقية في محتوها الاخباري والتحليلي والوثائقي فضلا عن خطها التحريري المنحاز لقضايا الامة، والميادين مؤسسها ومديرها تونسي هو الإعلامي المتميز الاستاذ غسان بنجدو. وقد حللت ضيفا في مرّاتٍ كثيرة على هذه قناة الميادين وكنت اجد لدى مقدميها ومذيعيها القدرة على توجيه اكثر الأسئلة إحراجا دون إسفاف او تخطيط خبيث مسبق هدفه تحقيق اجندة سياسية ضيقة او تصفية حسابات سياسوية فاسدة مثلما هو الحال مع قنوات إعلامنا التلفزيونية والاذاعية غالباً.

في جميع القنوات العربية والعالمية المحترمة، على اختلاف خطوطها التحريرية، هناك كفاءات إعلامية تونسية متميزة وراقية وجدت لها مكانا متقدما رغم حدة المنافسة، ولو وجدت هذه الكفاءات فرصة لائقة لخدمة بلدها ما ترددت في ذلك، فلماذا لم تجد هذه الفرصة في تونس رغم زوال الحاجز السياسي وتوفر تونس على مجال للحريات لا يوجد في اي بلد عربي اخر.

يقول بعضهم ان تقاليد الاعلام في تونس مرتبطة بالنموذج الفرنسي، وهو امر لم اجد له أي اثر او دليل في الحقيقة، فعندما أزور فرنسا، وكثيرا ما أزورها لاعتبارات عدة ليس هنا مقام لذكرها، اجد ان الفارق بين الاعلام الفرنسي وإعلامنا كالفارق بين الثرى والثريا، جودة ومهنية واحتراما واحترافا، فالمشاهد الفرنسي يجد أمامه باقة منوعة غالبا ما تخاطب عقله وتحترم ذوقه وتسافر به في شتى أقطار العالم وعبر الازمنة لتصنع منه مواطنا عصريا عالميا عقلانيا واعيا، ولئن وجد في فرنسا “الاعلام الغرائزي” القائم على الإثارة فان الاعلام المعني ذو الجودة العالية هو الطاغي والمهيمن والمتابع، وهو امر تسنده نسبة مبيعات الكتب التي تفوق في فرنسا النسبة المسجلة في جل دول العالم، وعلى راسها الدول المتقدمة.

من اين جاء هؤلاء الاعلاميون الذين يقودون المشهد الإعلامي في تونس بهذه التقاليد الرديئة والعادات السيئة، ولماذا عجزنا عن خلق قناة تلفزيونية اخبارية واحدة محترمة كما هو حال الميادين او فراسن 24 او بي بي سي او غيرها، ولماذا انحرفت جل البرامج السياسية الى برامج “ثرثرة” موجهة غايتها تصفية حسابات “مافيوزية” بائسة على حساب الحقيقة والرقي والجودة، وكيف تحولت وظيفة الكرونيكور الى “ثرثار” يفقه في كل شيء ويفتي في جميع المواضيع بما يعلم وما لا يعلم، ولماذا تبدو صحفنا الأكثر بؤسا وشعبوية قياسا الى صحف جيراننا، حتى في البلدان الممحونة بالحرب الأهلية كليبيا، ناهيك عن تلك التي لا تتوفر على ربع مساحة الحرّيات المتوفرة لدينا، ثم كيف يمكن لنا ان ننهض بالمشهد الإعلامي ومعه المشهد السياسي اذا كانت وسائل اعلامنا على هذا الحال البائس وبهذا الإصرار والتمسك بهذه الاعراف الرديئة في العمل الإعلامي.

اعرف بشكل شخصي غالبية المتحكمين في المشهد الإعلامي، وعدد كبير منهم لا صلة له من الناحية الإبداعية بهذه المهنة شديدة الخطورة والاهمية، بل ان عددا كبيرا منهم كانوا “ساسة” اضطروا لمغادرة العمل السياسي لأسباب متعددة، وتقديري انهم التحقوا بالمنابر الإعلامية لدوافع سياسية او معيشية، وما من عيب في ذلك، ولكن العيب كله ان يصبح الممكن الإعلامي معهم عرقلة اي تغيير إعلامي و اي إصلاح صحفي بالمعنى الجذري والمهني الذي تحتاجه تونس، فغالبية هؤلاء – ولا اقول جميعهم- يحاول قدر المستطاع في سياق تحالف غير معلن مع الرأسمال الممول والوجوه الإعلامية الموروثة، ان يبقى الحال على ما هو عليه، وهو ما ظهر جليا عند مناقشة مبادرة القانون المتعلقة باصلاح المرسوم 116.

وَمِمَّا يزيد الطيّن بلا، واليأس هيمنة، ان الاعلام العمومي مكبل بدوره بذات النزعة الإقطاعية/ النقابية التي حالت ومازالت تحول دون نجاح اي محاولة لإعادة بنائه على اسس سليمة، حتى يتمكن من القيام بدور تعديلي في مواجهة اعلام القطاع الخاص المرتبط بالرداءة والخبث بنيويا فيما يبدو، تماما كما فشلت جميع محاولات “الاعلام البديل” او افشلت لأسباب سياسية وأيديولوجية بالدرجة الاولى.

ولهذا يظل السؤال الكبير المؤلم مطروحا: هل بمقدورنا استكمال المشروع الديمقراطي والإعلام على هذا المستوى من الرداءة؟ وحتى لا تنحرف الإجابة اقول ان المشهد السياسي/النخبوي لا يقل رداءة، ذلك انه بين الاعلام والسياسة علاقة جدلية، فضلا عن أزمة القراءة أو الأمية المعاصرة التي خلقت نخبا لا صلة لها بالقراءة!؟

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP