الجديد

الشاذلي القليبي يتحدث عن: بورقيبة وعبد الناصر والوحدة العربية والتطبيع وطبائع الأمور..و تونس اليوم  

جريدة «الصحافة اليوم»، خاص/ حسن بن عثمان / ننشر الحوار بالاتفاق مع رئيس تحرير جريدة “الصحافة اليوم”/ نشر الحوار في عدد اليوم الأربعاء 12 ديسمبر 2018
فيما يلي نصّ صحفي يراوح بين حميمية اللقاء ولغته المتدفقة وبين تحريره من لغته الشفوية إلى لغة مكتوبة تقيّد الأنفاس ولا تفرّط في ألفاظها، تقريبا. علما أن الأستاذ الشاذلي القليبي صار يسمع مستعينا بسمّاعة، في حضوره البالغ الرهافة، وفصاحة التعبير.
وهو في ذلك يفهم حركات الشفاه والإشارات ودقائق التعبير. وكان حضوره وهو في الثالث والتسعين من عمره المديد، أطال الله عمره في الخير، حضورا فائق الحضور والبديهة الثاقبة.
مع المعذرة على اختلاط الفصيح اللغوي بالفصيح الشفوي، والمعذرة على اختلاط السؤال بالجواب أحيانا، فذلك كلّه من أخطاء الصحفي أو تقنياته، ولا تحسب على الأستاذ الشاذلي القليبي في عمره الثالث والتسعين وحضوره الفائق في البيان والتبيين والتعبير والإشارة.
تمحور اللقاء حول أمور وشؤون عربية راهنة استهلها الأستاذ الشاذلي القليبي بالملاحظة التالية:
ـ بورقيبة كان عنده تخوّف من عبد الناصر الذي دعا إلى عروبة تجمعنا ووحدة عربية كاملة، وقد قال بورقيبة حينذاك: «أشنيّة هذه الوحدة الكاملة»؟، هل تعني دولة واحدة أم «كل واحد عندو دولة»، «مقلناش عبد الناصر شنوّة رأيو وشنوّة الأهداف من وراء هذه الوحدة»…
لقد كان بورقيبة مرتابا أن تكون الوحدة العربية مفروضة من قبل عبد الناصر والدولة المصرية، وتصبح هناك مشكلة في كل بلاد عربية خشية من قوّة أجنبية شقيقة أو صديقة، تهيمن على مصيرها وقرارها. علما أن بورقيبة كانت له حساسية كبيرة من الاستعمار الأجنبي مهما كانت تسميته.
يضيف الأستاذ:
ـ كانت الوحدة المصرية السورية مثالا ساطعا على عدم تناسب الوحدة العربية الاندماجية بين قطرين أو دولتين عربيتين أو أكثر، إحداهما ترغب في الهيمنة ومحو الحدود القطرية والتكلم بإسم عروبة لها عاصمة واحدة، في حين أن الإسلام والعروبة لهما عواصم عديدة وحضارة إنسانية واحدة، وكان الأجدى والأكثر مصلحة هو الانتماء الحضاري لمعنى يوحّد النّاس، انتماء له قلب واحد، ونبض متعدّد، وبوصلة تحدّد الاتجاه، وتلك معضلة مازالت ترافقنا إلى حدّ الآن، ولا حلّ لها إلا القبول بالاختلاف في المشترك الواحد الذي هو بطبيعته متعدّد لتعدّد المشترك بين بني الإنسان الواحد، والمصير الأوحد في الخير المنشود.
وأشار الأستاذ:
ـ خلال عملي في الجامعة العربية قابلت أناسا من مصر ومن سوريا ومن مختلف الأقطار العربية، أناس من النخبة من الشخصيات في بلدانهم، كنت أعرفهم من قبل، ومنهم شخصيات من السوريين ممن عبّروا لي بأن تدخّل مصر في سوريا خلال الوحدة بينهما، كان تدخلا لا يطاق، ولا يتناسب مع الوطنية السورية… وقس على ذلك مع أقطار أخرى عبّروا لي أن نمط التعاون في وحدة إلزامية بين الدول العربية هو نمط غالط، وعلى كل دولة أن تحافظ على سيادتها الخاصة، وأن يتمّ العمل المشترك على المستوى الحضاري المشترك دون هيمنة ولا إكراه ولا طغيان جهة على أخرى.
 
حين سألت الأستاذ الشاذلي القليبي عن المعضلة الإسرائيلية في المنطقة العربية ومقترحاته للتعامل مع هذا المأزق الحضاري بين العروبيين والعبرانيين، أجابني:
ـ يقول الحبيب بورقيبة أننا نحن التوانسة والعرب لم نكن نحن من كوّن إسرائيل، ولا نحن من صنعناها، وهي لم تتكوّن وحدها، ولكن الأمم المتحدة هي من كوّنتها، وأعطتها الكيان… يمكن أن نقول، نحن من جهتنا، أن في ذلك التكوين هناك ظلم، ولكنه ظلم لا يمكنك أن تزيله. لا تستطيع مع هذا الظلم إلا أن تنقص منه، وأن تخفّف منه، بالشويّة بالشويّة، إلى أن تضعفه، قليلا قليلا، حتّى يفقد ظلمه البدائي وخصومته الأوّلية، ويخرج مما لا يطاق بشريا، ويدخل في منطقة التعايش البشري المشترك والمصالح المتبادلة بلا كثير حيف، في تطوّر عدالة بشرية تسعى لها البشرية.
ثم يتوسّع الأستاذ في طرح بعض خبرته في هذا الشأن، ويقول:
ـ سبب صعوبة ما تمرّ به المجتمعات العربية وغير العربية وكل الدول في العالم من تحديات، ليس سببها فقط آتيا من الخارج، خارج الذات الجماعية والفردية، وإنما هي تنبع من الداخل في المقام الأوّل… مثلا، إن ما تمرّ به الدول العربية الإسلامية من صعوبات في وجودها يعود في أحد أسبابه الجوهرية إلى الجهل بحضارة الإسلام والجهل بقيم تلك الحضارة، من قبل أصحاب تلك الحضارة، قيم تلك الحضارة التي وقع التخلّي عنها في ظروف الهزيمة والتخلّف وعدم استعمال العقل والتدبير، وقَعِدْنَا نعمل بطقوس العبادات وشعائرها دون العمل بشريعة المعاملات وحقوق البشر والقيم الإنسانية، مع أن لنا في مجال المعاملات والعدالة ما به نَنْتَفِع، وما به تنتفع الإنسانية جمعاء، من دعوة إلى المساواة والتطلّع إلى الحقوق كفعل في الواقع وكرجاء يرشدنا ويهدينا إلى ما يتجاوزنا في وجودنا العابر نحو المطلق الذي يُلازِمُنا ويلزمنا إتباع صراطه. فالإسلام هو عبادة وهو حضارة وثقافة وحياة، وليس الإسلام موتا ولا إرهابا، وليس هو عادة ولا تكرار بلا ضمير ولا عقل. فعظمة الإسلام أنه يحثّ على العقل وإطالة التفكير والتدبير، وعدم الركون إلى عبادة الأصنام الفكرية أو البشرية وتوثين الأشخاص، وعبادة أصنام الماضي من الأسلاف وما أملته ظروفهم.
 
في الأثناء سألت الأستاذ:
هل تتابع الأحداث السياسية التي تقع في تونس؟
ـ نعم… نعم… أتابع… وأحاول متابعة أدقّ التفاصيل…
قلت:
ـ الحكومة الجديدة الماثلة هذا اليوم (12/11/2018) للتصويت على شرعيتها في البرلمان فيها عنصر يهودي إسرائيلي، فما هو رأيك؟
أجاب الأستاذ على الفور:
ـ بورقيبة كان عنده وزير يهودي…
قلت:
ـ كان عنده وزير يهودي موش وزير يهودي إسرائيلي
قال:
ـ الطرابلسي موش إسرائيلي… لا، لا… الطرابلسي تونسي يهودي موش إسرائيلي…
قلت:
ـ ولكن الطرابلسي معترف بالقدس عاصمة إسرائيل؟
أجاب
ـ لا لا… أعرفه، ليست له ميول إسرائيلية. هو تونسي وطني، من جزيرة جربة، يحبّ تونس ويحبّ جربة… وانتدبه «سي» يوسف الشاهد رئيس الحكومة لأن روني الطرابلسي له باع في مجال السياحة… روني الطرابلسي ليس إسرائيليا…
قلت:
ـ عنده تصريحات يدعّم فيها نقل عاصمة إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، بما يجعله يقرّ بيهودية الدولة الإسرائيلية ويغلّب ولاءه الصهيوني على ولائه التونسي، وتونس موقفها غامض من هذا الموضوع؟
أجاب:
ـ أنا ضدّ هذه الدعايات والحملات التي يقوم بها بعض الأطراف وبعض المواقع للتشهير بالشخصيات الوطنية… روني الطرابلسي تونسي أولا، ونحن دولة مدنية ولسنا في دولة دينية، وروني الطرابلسي معروف من عائلة تونسية، عائلة الطرابلسي، ونحن الذين اشتغلوا مع الحبيب بورقيبة نعرف مثل هذه العائلات اليهودية العريقة معرفة جيّدة ونعرف انتماءها الوطني…
وأضاف الأستاذ بطريقته البلاغية:
ـ كان يمكن أن يكون إسم «روني» هو «موسى»… (قال ذلك ضاحكا) موسى الطرابلسي.
ـ علاش؟
ـ لكي يزيل الخشية من اسم «روني»… في حين أن اسم «موسى» يقبله الضمير اللغوي التونسي وهو أقرب إلى الثقافة المشتركة… أقول ذلك على سبيل المزاح… فالذهنية السائدة تخشى من الأسماء أكثر من خشيتها من المضامين، ويكفيها تبديل اسم «روني»، مثلا، بإسم «موسى» لتهدأ العقلية العامة وتبدي الرضى والقبول، فإسم «موسى» عند التوانسة لا يثير الخوف والارتياب مثل الأسماء الإفرنجية… (يضحك ثانية).. «موسى روني الطرابلسي»… (يضحك ثالثة)… أعتقد أن هذا الوزير الجديد للسياحة سيكون طالع خير على السياحة التونسية وسيرفّع من سمعتها في العالم.
 
الحديث يذهب ويلتوي ويعود، فسألته مجددا عن موقفه من التطبيع مع دولة إسرائيل؟
قال الأستاذ الشاذلي القليبي:
ـ المغرب الأقصى علاقته باليهود وبالإسرائيليين على نفس المستوى ويحرص على استقبالهم والحفاوة بهم منذ حكم الملك الحسن الثاني، ومن المعلوم أن الزعيم الاشتراكي المغربي المعارض مهدي بن بركة، المعارض لحكم الملك الحسن الثاني، قُتل أو اختفى في فرنسا في سنة 1965، في حادثة شبيهة بما حدث للصحفي السعودي جمال الخاشقجي في هذه الأوقات…
قُتل المهدي بن بركة وتبخّر جسده في عملية غامضة شاركت فيها المخابرات الدولية ومنها المخابرات الإسرائيلية التي لها حضور كبير في فرنسا، وكانت على علاقة بنظام الملك المغربي.
إن المملكة المغربية أكبر دولة في شمال إفريقيا مطبّعة منذ عقود مع إسرائيل، والتنسيق والتعاون بينهما متواصل على قدم وساق، بلا انقطاع. بحيث يلزمنا أن لا نخاف من خطورة الشعارات والكلام الذي بلا معنى…
ـ كلامك سي الشاذلي القليبي على روني الطرابلسي وعلى المغرب وعلى إسرائيل هل يمكنني نقله ونشره في الصحافة؟
ـ يمكنك ذلك… ولكن يهمّني الإطلاع عليه قبل نشره، لأنك كما تعرف فإن مثل هذه المواضيع شديدة الحساسية وقابلة للتوظيف لغايات مشبوهة، ولذلك فكلّما دققنا في العبارة سيطرنا على التوظيف والتلاعب بالتعابير والتصريحات المرسلة…
ثم أضاف الأستاذ:
ـ شاهدنا أخيرا كيف أن رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو زار عمّان واستقبله السلطان قابوس… الكثير من البلدان العربية مطبّعة مع إسرائيل في السرّ وفي العلن، وأكبر دولة عربية، التي هي مصر، مطبّعة مع إسرائيل، وهناك فصائل فلسطينية مطبّعة مع إسرائيل، فضلا عن أن السلطة الفلسطينية مطبّعة مع إسرائيل بفعل اتفاقيات أوسلو… فبحيث، إن التطبيع لم تعد له الخطورة التي عليها من قبل، وعلينا نحن أن لا نتشدّد أو نتشبّث بخطورة صارت من مقتضيات المصير المشترك واحتقان التاريخ، فدولة اليهود في إسرائيل ملزمة بالوجود فيما أسسته من دولة، وليست لنا قوّة لإزالتها من هناك… وهذا خلاف كان بين بورقيبة وبين عبد الناصر…
ـ يعني معناه أن التطبيع مع إسرائيل صار حتميا؟
سؤال التطبيع يعرف كيف يجيب عنه الأستاذ الشاذلي القليبي بسياسة وكياسة، وملخّصه أن لا مهرب لنا من مواجهة حقيقة الأشياء وطبائع الأمور وطبيعة العلاقات بين الدول في المنتظم الأممي ومواثيقه وعهوده، وعدم السماح بتدمير الدول والاعتداء على الشعوب…
حين غادرنا الحديث عن التطبيع وطبائع الأمور وعدنا إلى المسألة الوطنية وسألنا الأستاذ الشاذلي القليبي الذي أسس وزارة الثقافة التونسية في بداية دولة الاستقلال، عن تقييمه لأداء تلك الوزارة بعد أكثر من نصف قرن على وجودها، وما هي إيجابياتها وما هي سلبياتها، أجابنا وهو منتبه للسؤال الثقيل وكان يعالج السماعة:
ـ في وقت من الأوقات قلت للسيد الهادي نويرة، الذي كان يمارس الحكم، بصفته الوزير الأوّل، قلت له «يزّيني» من وزارة الثقافة وعملها الذي يتطلب حضورا يوميا متتابعا مرهقا في تلك الظروف المرهقة من تصادم بورقيبة مع اليسار الثقافي والسياسي، وما كنت أعانيه من مباشرة الإشراف على التوجهات الكبرى وعلى أدقّ التفاصيل في الانجاز، بصورة منهكة، وأبديت للوزير الأول رغبتي في أن يعفيني الرئيس من هذا الدور الثقافي الذي أعطيته ما يكفيني، وأن يلحقني بسفارة تونسية في بعض البلدان التي لنا فيها سفارات.
ومن هناك، في مغادرة وزارة الثقافة، قال لي بورقيبة أعطني مقترحات لمن ترشحه لتولي وزارة الثقافة؟
اقترحت بعض الأسماء ثم عرضت عليه اسم محمود المسعدي، وكنت أعرف تفكير المسعدي وأعرف مهجته السياسية التي لم تكن بورقيبية محضة، فوافق بورقيبة على المسعدي مباشرة، ومن هناك غادرت وزارة الثقافة التي كانت تعمل بطريقة غير بيروقراطية وبنوع من النضال والشغف ومحبّة الإبداع يجمع مختلف التعابير الراقية للنهوض بالوعي النخبوي.
بعد خروجي من وزارة الثقافة سمّاني بورقيبة وأعطاني أوراق اعتمادي في مصر ثم ندم على تسميتي في مصر، ثم سمّاني في إسبانيا، وندم عليها أيضا لأسباب مختلفة، ثم سمّاني في روما ولم تتم تلك التسمية، هي الأخرى، وفي الأخير، وأنا في بلدية قرطاج، تلفن لي الحبيب بورقيبة وقال لي: لماذا أنت جالس في المجلس البلدي بقرطاج فقط، لماذا لا تلتحق بي رئيسا لديواني الرئاسي في قصر قرطاج? فأبديت موافقتي… ومن هناك عدت للعمل السياسي الوطني المباشر بما يتطلبه من التسامي فوق الشهوات الخاصة، والانخراط في جوهر السياسة، بما هي أنبل الفنون في إدارة الشأن العام.
 
ـ لاحظت للأستاذ بأن الزعيم الحبيب بورقيبة كان في بداية تأسيس دولة الاستقلال ضدّ وجود وزارة ثقافة في نظامه السياسي، على أساس أن الأنظمة الشيوعية هي التي تعتمد وزارات للثقافة لتنميط الثقافة النخبوية والعامة المشتركة، فكيف أقنعتم الرئيس بورقيبة بضرورة بعث وزارة الثقافة في تونس في بداية دولة استقلالها، وكيف هو تقييمك لأداء وزارة الثقافة التي كنت مؤسسها، بعد أكثر من نصف قرن من تأسيسها ؟
أشار الأستاذ الشاذلي في حديثنا المتداخل، عفو الخاطر، الذي يخلو من السين والجيم، قائلا:
ـ أوّل الدول التي كانت لها وزارات ثقافة هي الدول الشيوعية مثل الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية، وبورقيبة الذي أعرفه جيّدا كان يفكّر في نشر الثقافة بين عموم الشعب من أجل التثقيف والرقيّ والنهوض الاجتماعي، ولكنه كان حائرا بين شبهة الثقافة الرسمية وأساليب الإكراه على الثقافة الرسمية، وحاجته لنشر الوعي الثقافي في المجتمع، وكان يشكّ في جدوى وزارة رسمية تعتني بالثقافة الجمعية، خشية أن تتشابه أو تتماشى سياسته التّحرّرية التَّحْريريّة التونسية مع سياسة الاتحاد السوفياتي، وتستنسخ الطريقة الشيوعية في نشر الثقافة وتلقين الوعي والسيطرة على المدارك وإكراه الشعب على الانقياد لتفكير القيادة.
بورقيبة كان يوالي الغرب وعلى رأس الغرب أمريكا، حيث لا وزارات للثقافة في الغرب على غرار الشيوعية. كان بورقيبة يعتمد على الغرب في سياسته وخياراته المستقبلية. وفي ذلك كان الزعيم قلقا في الاختيار بين نشر الوعي والثقافة وتهمة الاحتذاء بالنظرية الشيوعية… حينذاك جاء الجنرال شارل ديغول لرئاسة فرنسا في جمهوريتها الخامسة سنة 1959، وكان ديغول أول رئيس أوروبي كوّن في الدول الغربية وزارة للثقافة وأوكلها لأحد أكبر الكتاب والفلاسفة والمثقفين الفرنسيين العصاميين في زمنه «أندريه مالرو»، صاحب رواية «الشرط الإنساني» الشهيرة، وبذلك صارت هناك إمكانية لتأسيس وزارة ثقافة في تونس بلا شبهة شيوعية استلهاما من النموذج الفرنسي، وروح التقدمية والنهوض، دون وقوع في تبعية الاستقطاب.
ذلك، دون أن نخاف في تونس من تهمة الشيوعية أو تهمة دعم السياسة السوفياتية في أوروبا وفي إفريقيا والتضارب مع السياقات التي تنتمي إليها الدولة التونسية الوليدة التي كانت وجهتها وبوصلتها العالم الحرّ.
تلك هي المهمة في تأسيس وزارة الثقافة التونسية التي كلّفني بها الحبيب بورقيبة، وكنت على إطلاع على ما يحدث في تلك المرحلة من سياسات عالمية في المسألة الثقافية والأمور، وعَمَلْنا العَمَلَ الذي يلزمنا عَمَلَه، دون أن تصبح وزارة الشؤون الثقافية وزارة لشؤون أخرى. وقد كان عندنا في تونس بعض الأسماء الثقافية التونسية لها ميولات يسارية وشيوعية، تفاهمنا معها وهدّأنا من روعها في العمل على بناء الدولة التونسية الحديثة ونشر الوعي الحديث في الفنون والآداب، ومن بين تلك الأسماء الطاهر شريعة، أستاذ التعليم الثانوي من مدينة صفاقس، الذي كان يساريا مغرما بالسينما، وأنا من دعوته للالتحاق بالعمل الثقافي الرسمي بعدما تحادثت معه مباشرة وأقنعته بأن من واجبه الوطني الانخراط في الأجهزة الرسمية لإشاعة الثقافة السينمائية في البلاد، والتشجيع على خلق سينما تونسية فاعلة في محيطها العربي الإفريقي ورائدة لسينما العالم الثالث. فالطاهر شريعة كان من أهل السينما، وغرامه بالسينما لا يضاهيه غرام ولا إيديولوجيات سياسية، وكان على يقين بأن فنّ السينما ليس شيوعيا ولا رأسماليا، ولكنه فنّ وإبداع يتفوّق على الانغلاق والدعاية والتحريض والتلاعب بالوعي الإنساني، وكنا ننشد في وزارة الثقافة ثقافة جديدة وسينما جديدة تحاول التعبير عن روح مقترحات العالم الثالث، دون الاستلاب في العالم الأول الرأسمالي ولا العالم الثاني الشيوعي…
يضيف الأستاذ:
ـ قمنا بعمل ثقافي رائع في تلك المرحلة الصعبة من بناء دولة الاستقلال، إلى درجة أن بورقيبة الذي كان يشكّ في جدوى وزارة ثقافية رسمية وما يحفّ بذلك من شبهات التوظيف السياسي والمناورات، صار الحبيب بورقيبة كل يوم على اتصال مع الثقافة، في الصباح يقوم بمقابلات، وفي العشية أنشطة ثقافية أو فنية أو سياسية، فله في القصر الرئاسي مسرح صغير خصّصه لبعض العروض الثقافية المشهدية والقولية، ومن ذلك بعض العروض لشعراء الملحون، الذي سمّاه بورقيبة «الشعر الشعبي» لغاية في نفس بورقيبة، الذي ينتصر لقصائد الشعب وضميره الشعري، لا للحن في القول والتزييف، فضلا عن عروض مسرحية خاصة كان يتفاعل معها الزعيم بطريقته التوجيهية أحيانا، المزاجية أحيانا أخرى، متسلحا بثقافته الموسوعية في الثقافة العربية الإسلامية وفي الثقافة الغربية وطموحه لخلود الأدوار في مسرحيات كان يعشق مسرحها على الركح وفي الحياة الواقعية.
 
من بعض الأقوال التي أحتفظ بها من اللقاء مع الأستاذ الشاذلي دون قدرتي على إدراجها في سياق اللقاء قوله:
ـ بورقيبة انفرد بالاجتهاد وحده في خصوص تعامله مع النص الديني، وكان يعتقد أن الآخرين من الحكّام العرب لا يفهمون ولا يدركون طبيعة النص القرآني ومقاصده، وتلك الممارسة الانفرادية في الاجتهاد البورقيبي، ومن ضمنه الاجتهاد في مسألة منع تعدد الزوجات في تونس جعلت التجربة التونسية مستهدفة من قبل النظام العربي والإسلامي، وكان الأحرى بالحبيب بورقيبة أن ينسّق في ذلك مع الزعماء والرؤساء والملوك العرب في هذا الشأن حتّى لا نجد أنفسنا في مثل هذا التفاوت بين التشريعات بين العرب والمسلمين وهذا التباعد في النظر والتدبّر للنص الديني والتشاور في تأويله وتنزيله على الواقع المتحوّل دائما وأبدا.
 
خلاصة القول أننا محرومون من الأساتذة الكبار في البلاد التونسية ومن لقياهم ومن الاستفادة من خبرتهم وذاكرتهم ومعارفهم ودروسهم في الحياة…
إننا بهذا المنشور نحيي الأستاذ الشاذلي القليبي في عيد ميلاده الثالث والتسعين، ولم نقتطف من حضوره سوى عشرين دقيقة في اللقاء… دوَنّا منها هذه الفقرات الشاردة الشاهدة، عسى أن تكون فاتحة للشهيّة الوطنية لتناول مثل هذه المواضيع المصيرية.
 
 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP