الجديد

حكومة الرئيس وتفاؤل لا يخفي المخاوف

هشام الحاجي

تكاد الكتابة الهادئة والباحثة عن الموضوعية تصبح أمرا صعب التحقق حين يتعلق الحال بالشأن التونسي في ظل ما يتأكد من وجود استقطاب حاد في الرأي العام بين شق مساند لرئيس الجمهورية قيس سعيد وشق آخر معارض له. وتسرب هذا الاستقطاب ولو بدرجات متفاوتة إلى وسائل الإعلام والخبراء التونسيين.

ويبدو ذلك «طبيعيا « إلى حد معين في ظل الأسئلة الحارقة التي يطرحها التونسيون والتونسيات حول وضعيتهم وخاصة حول مستقبلهم. ولا يمكن تلمس ملامح الإجابة عن هذه الأسئلة من دون التوقف عند أسباب الوصول إلى الوضع الحالي وخاصة عن دلالات وأبعاد تحول رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى «صاحب السلطة الوحيد» بعد تجميد عمل مجلس نواب الشعب، وهو تجميد سيتواصل حسب عديد المؤشرات أشهرا أخرى، وربما تبقى الوضعية على ما هي عليه إلى حدود الاستحقاق الانتخابي المقبل والذي سيكون مبدئيا سنة 2024.

ولا شك ان الإجراءات التي أعلن عنها قيس سعيد تزامنا مع الاحتفال بذكرى تأسيس الجمهورية يوم 25 جويلية  الماضي فرضت واقعا سياسيا جديدا، ولكن الخطوة التي أقدم عليها لم تفاجئ المتابعين عن قرب للمشهد التونسي في الأشهر الأخيرة والذي بلغ الوضع فيه حد التخوف الحقيقي من انهيار الدولة. ولم يتحرك قيس سعيد، بكل تأكيد من منطلق مبدئي فقط بل قادته بعض الاعتبارات التي من أهمها ان «صراعه السياسي والشخصي» مع رئيس حركة النهضة قد بلغ نقطة اللاعودة وان من سيباغت الآخر هو الذي سيكسب «المعركة» وان تدهور صورة مجلس نواب الشعب في أعين قطاعات واسعة من الرأي العام الوطني تخدم لفائدته علاوة على وجود سياق إقليمي ودولي له تحفظاته التي لا تخفى على «الإسلام السياسي».

وقد استفاد قيس سعيد في توجيه «صاروخه» من استعلاء راشد الغنوشي واستهانته من قدرة قيس سعيد على الفعل والمباغتة وليس الدافع الظرفي هو الذي كان لوحده وراء إجراءات 25 تموز/يوليو الماضي، بل ان قيس سعيد اعتبر ان «اللحظة قد أتت» ليضع موضع التنفيذ رؤيته السياسية التي تقوم مرحليا على مرتكزين أساسيين وهما العودة إلى نظام رئاسي وهو ما عبر عنه في الأشهر التي سبقت تموز/يوليو من خلال إبراز إيجابيات دستور حزيران/يونيو 1959 المختلف إلى حد كبير عن دستور 2014 وخاصة إعادة النظر في دور السلطة التشريعية وفي آليات «تصعيد» ممثلي الشعب، لأنه يدافع عن تصور يلغي دور الأحزاب السياسية ويميل أكثر إلى «الديمقراطية المباشرة». ومن هذا المنطلق دافع قيس سعيد منذ وصوله إلى سدة رئاسة الجمهورية عن «حكومة الرئيس» وسعى بشكل مباشر أو بدعم من بعض الأحزاب إلى فرض هذا التوجه وقد نجح أخيرا في تحقيق مبتغاه في حكومة نجلاء بودن التي كلفها بتشكيل الحكومة بعيدا عن دور الأحزاب السياسية والتي أدى أعضاؤها اليمين الدستورية أمامه وخاصة من دون نيل ثقة مجلس نواب الشعب الذي لم يعد عمليا موجودا .

أكبر امتحان سياسي

ويمكن القول ان شروع حكومة نجلاء بودن في العمل يمثل أكبر امتحان سياسي لقيس سعيد الذي نجح، وهو الغريب عن الطبقة السياسية، في الوصول إلى رئاسة الجمهورية. ولم يُعرف له برنامج عمل واضح واستفاد في السنتين الماضيتيين اللتين قضاهما في قرطاج في حالة أشبه بالملاحظة و»البيات السياسي» من أخطاء البرلمان والأحزاب والحكومة التي أفرزاها.
ولكنه حاليا اللاعب الوحيد تقريبا في المشهد السياسي خاصة وانه يرفض الحوار في صيغه «التقليدية» ولا يستمع لما يفد من الدول الكبرى من «نصائح» و»ضغوط «. ويبدو أيضا انه لا يحبذ الاستماع إلى آراء أعضاء الحكومة ولم يحصل ان نشرت مصالح الإعلام والاتصال برئاسة الجمهورية لحد الآن صورة لقيس سعيد وهو يصغي للذين يستقبلهم لأن «الاستاذ» تقوده على ما يبدو رؤية تقليدية للعملية التعليمية تجعله يعتبر انه المخول لوحده بالكلام وما على الآخرين «السمع والطاعة».

ويبدو ان شخصية «الاستاذ» قد لعبت دورا في اختيار أعضاء حكومة نجلاء بودن، لأن عددا من أعضائها سبق لقيس سعيد ان درسهم في كلية العلوم القانونية والاجتماعية. ويمكن القول إن رئيس الجمهورية قد نجح إلى حد كبير في «الكاستينغ الحكومي» إذ ابتعد عن الوجوه الحزبية التي تحيل إلى التجاذبات والصراعات الهامشية التي أعاقت البلاد في السنوات الأخيرة واختار شخصيات لها تجربة في الإدارة ولا تحوم حولها شبهات، ولكن حكومة نجلاء بودن ستشرع في العمل في سياق مليء بالعوائق سواء كانت داخلية أو خارجية.

ومن سوء حظ هذه الحكومة أنها ترث كل سلبيات الحكومات المتعاقبة منذ استقلال تونس سنة 1956 ولم تجد تقريبا عنصرا إيجابيا يمكن البناء عليه إلا العنصر البشري الذي يمثل عماد الإدارة التونسية والذي يحتاج بدوره إلى تحفيز معنوي وإلى تخليصه من بعض العادات السلبية التي تراكمت في السنوات الأخيرة. ويرتبط نجاح حكومة نجلاء بودن بدرجة كبرى بما يريد قيس سعيد تحقيقه في جميع المجالات خاصة وان تصدّر المشهد يفرض تحقيق النتائج أكثر من الاكتفاء بالكلام، وان الوضع الداخلي وكذلك الإقليمي، يفرضان رهانات مستجدة ومعقدة ومتداخلة على تونس. وهو ما يطرح سؤالا ستجيب عنه الأيام المقبلة حول قدرة رئيس الجمهورية قيس سعيد على التحرك والنجاح في هذا المناخ وأعتقد ان انتظار الجواب لن يطول كثيرا.

 

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP