الجديد

الكاتب والصحفي المصري فراج اسماعيل يكتب: كرة القدم “جلد منفوخ بالسياسة”

فراج اسماعيل

ماكرون كتب على تويتر ممتدحا تنظيم المونديال لأول مرة في المنطقة العربية والمجهود الذي تبذله قطر والإمكانيات الهائلة التي وفرتها. ثم اختتم “هيا أيها الزرق”..

الرئيس الفرنسي يشد بذلك عزيمة منتخب الديوك، ويدعوهم إلى مواصلة الانتصارات ليعودوا إلى باريس بالكأس الثانية على التوالي.
رئيس أقوى دولة في العالم جو بايدن، ترك مسائل السياسة الملتهبة وحرب أوكرانيا وأزمة أوروبا نتيجة انحسار إمدادات النفط والغاز، وتفرغ لمكالمة هاتفية مع منتخب الولايات المتحدة يحثهم على الانتصار على عظماء الكرة العالمية.

لا أحد ينكر أن الكرة هي الوجه الآخر للسياسة، ولا يوجد نظام حكم في العالم إلا ويلمع بانتصاراتها نفسه، سواء كان ديكتاتوريا أو ديمقراطيا.
إيطاليا حصلت على بطولة ثاني مونديال 1934 وثالث مونديال 1938 وصرفت على ملاعبها ومنشآتها مبالغ طائلة بهدف تلميع نظام موسوليني الفاشستي، وتقديمه بصورة النظام السياسي الأفضل.
وفي مباراة الافتتاح أجبر اللاعبين على ترديد النشيد الوطني للفاشية.
طبعا لم يغلقوا أفواههم مثل المنتخب الإيراني وإلا كان القتل مصيرهم.

وعندما لعبوا المونديال الثالث في فرنسا عام 1938 قبل الحرب العالمية الثانية بشهور، غلبت السياسة على الكرة. المانيا النازية تريد إثبات أنها الأفضل، وفرنسا تريد تأكيد أن الحريات تؤدي إلى التفوق.
لكن لاعبي إيطاليا كانوا في وضع صعب، إذ عليهم أن يعودوا إلى روما بالكأس لأن موسوليني حذرهم من مصير الموت في حال الفشل.

التفوق في كرة القدم لا يعني أن هذه الدولة أو تلك تتمتع بنظام حكم عادل أو برخاء اقتصادي أو أنها جنة الله في الأرض.
لكن أنظمة الحكم تروج لهذه النظرية حتى لو لعب لها لاعبون ليسوا من أهل البلد.

إيطاليا عام 1934 فاز بمونديالها منتخب يضم 7 لاعبين من خارج إيطاليا، من بينهم لاعبو الأرجنتين مونتي وأورسو وجويتا، وقد سجل أورسو هدف التعادل لإيطاليا في الدور قبل النهائي أمام النمسا قبل النهاية بدقائق، وإلا خسر موسوليني سمعة حكمه التي تخيل أنها مرتبطة ببطولة كأس العالم بحبل سري!

ورغم أن هذا اللاعب أرجنتيني ومعه اثنان من فطاحل الكرة الأرجنتينية إلا أن بلده الأصلي لم يفز بأول بطولة كأس العالم إلا بعد ذلك بأربعة وأربعين عاما 1978، في عهد نظام الانقلاب العسكري والإعدامات والاختفاءات القسرية، والعشوائيات والاقتصاد الفقير.
كنا نشاهد مدربهم الشهير لويس مينوتي لا يضحك أبدا، وحينها كانت الصحف تكتب عن حزمه وقوة شخصيته.

وبعد زوال حكم الجنرالات كتب عن وضعه البائس وقتئذ، فقد كان عليه وعلى نجمه كمبس ورفاقه أن يفوزوا لتلميع نظام دموي، صرف مليار دولار على ملاعب ومنشآت المونديال ليلمع نفسه ويجمل صورته أمام العالم.

لقد أجبرت الجماهير على الخروج إلى شوارع بيونس آيرس لتحتفل بالتتويج. كثيرون منهم آباء وأمهات للمتغيبين قسريا أو من تم إعدامهم.
لا تصدق من يوهمك بأن كرة القدم مضيعة للوقت وأنها لا تستحق.

إنها جلد منفوخ بالسياسة ومناوراتها وألاعيبها وبمصائر الشعوب وأنظمة الحكم.

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP