الجديد

تونس: ” اللحظة السياسية” التي لا تتوقف !

منذر بالضيافي

برغم تعالي أصوات الخبراء، المنذرة بمخاطر الانهيار الاقتصادي على البلاد والعباد، و التي وصلت حد ارسال “صيحة فزع” ، فان المهتمين بالشأن العام في الحكم والمعارضة ( الطبقة السياسية )، وكذلك “النخب” المستفيدة من تواصل “الريع السياسي”، لا تسمع ولا تهتم، بل تستمر في اعطاء الأولوية للصراع السياسي، الذي مداره ” الصراع حول الحكم” ، لا حول خدمة الناس وتحسين شروط حياتهم الدنيا، وهو جوهر السياسة.

يستمر اهمال “الاقتصادي” لصالح “السياسي”، برغم أن أوضاع الناس وحاجياتهم – بما في ذلك الأساسية – أصبحت مهددة، مثلما تشير الى ذلك كل تقارير المؤسسات المالية الدولية، ولعل اخرها الذي صدر منذ اقل من أسبوع، عن صندوق النقد الدولي، التي اشار فيه الى المخاطر المرتقبة، بفعل “تجدد أزمة الغذاء العالمية واستمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالميا، بسبب حرب أوكرانيا، وسيشعر الكثيرون بالضيق في مناطق معينة هذا العام، لا سيما افريقيا”.

يستمر العبث و الالهاء ، و “التفنن” في توجيه الجماهير، عن مشاكلها ومستقبلها، وكأن البلاد تعيش في “رغد العيش”، ولا تهددها المخاطر من كل حدب وصوب.

برغم أننا نحصد اليوم، ما زرعت النخب الفكرية والسياسية والاعلامية و “خبراء توجيه الرأي العام” التي تصدرت المشهد ” الما بعد ثوري” والتي كثر ضجيجها، وغابت عنها المساهمة في انتاج المعنى وخاصة طرح القضايا الحقيقية للنقاش.

كما غاب عنها تحصين الديموقراطية بمؤسسات تحميها ، فضلا عن اعطائها بظهرها لمشاكل الناس والتي اساسها الاقتصاد والتنمية، وهي اليوم تعاقب على ما اقترفت يداها وسيطال العقاب الجميع دون استثناء .

واعني هنا – بالنخبة – تلك التي تصدرت “المشهد الثوري” ( بعد 14 جانفي 2011)، و بينت بالكاشف انها تعيش حالة كسل بل تصحر معرفي، ان لم اقل ” حالة امية مركبة”، سواء في التعاطي مع الشأن الجاري، او من جهة غياب المقاربة العلمية للتحولات المجتمعية و الجيو سياسية، التي ميزت العشرية الاخيرة في تونس وخارجها، والتي هي بصدد اعادة تشكيل عالم جديد، سنكون نحن في تونس غرباء عنه وعلى هامشه.

يستمر العبث و الالهاء ، و “التفنن” في توجيه الجماهير، عن مشاكلها ومستقبلها، وكأن البلاد تعيش في “رغد العيش”، ولا تهددها المخاطر من كل حدب وصوب.

هذا ” البؤس المعرفي”، يتكرر اليوم من خلال طبيعة التعاطي مع ” حدث25 جويلية” وما بعده، حيث غاب الفهم لما حصل واسبابه والمسؤولين عنه، وهو الذي كانت مقدماته غير خافية

وتعود الى ما قبل الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الاخيرة، التي مثلت ما اصطلح على تسميته ب ” الزلزال” او ” التسونامي”،

ما حصل و يحصل الان كان متوقعا، خاصة مع استمرار فشل السياسيين الذين اغتروا ب ” التمكين” في الحكم، و لم يستوعبوا انذار رئاسيات 2019 و استمروا في عبثهم وفسادهم السياسي، ليستفيقوا على واقع جديد، جعلهم يصابون ب ” الصدمة، ليجدوا انفسهم في وضع عزلة ورفض مجتمعي، ما جعلهم عاجزين عن مواجهة ” لطخة يوليو”، وما بعدها.

خلال ” عشرية الثورة”، غابت الدوريات الجادة والكتب وايضا البرامج الاذاعية والتلفزيونية المرجعية، والتي كان لها – لو وجدت – ان تمثل مادة يمكن الرجوع اليها لفهم ما حصل والتفكير في وضع سيناريوهات القادم

باستثناء بعض الاصدارات الفردية التي اهملها ” اعلام البوز”، الذي انخرطت غالبية مؤسساته و “رموزه” ( ظاهرة الكرونيكورات ) في ” البزنس السياسي ” لتأمين مواقعها وتحصيل نصيبها من ” الغنيمة”.

كشفت ” عشرية الثورة” والحالة مرشحة للاستمرار، عن تهميش النخب الحقيقية، التي خيرت بدورها الاستقالة، بعد ان تبين لها انها تعيش ” حالة اغتراب” مفروضة، فاختارت ” الغربة” على التورط في اللا معنى، لصالح ” ثقافة التفاهة” ورموزها من ” نجوم” التلفزيون وصناع ” محتوى البوز” ممن احتلوا الفضاء العام.

أما نتيجة الفراغ والخواء الثقافي للسياسيين و كل “رموز عشرية الثورة” ، فانهم بصدد دفع الضريبة عنها غاليا، عبر طردهم من المشهد بصورة ” مذلة مجتمعيا” ( تيار الاسلام السياسي – ممثلا في حركة النهضة- والمنظمة الشغيلة والأحزاب والاعلام … ).

كشفت ” عشرية الثورة” والحالة مرشحة للاستمرار، عن تهميش النخب الحقيقية، التي خيرت بدورها الاستقالة، بعد ان تبين لها انها تعيش ” حالة اغتراب” مفروضة، فاختارت ” الغربة” على التورط في اللا معنى، لصالح ” ثقافة التفاهة” ورموزها من ” نجوم” التلفزيون وصناع ” محتوى البوز” ممن احتلوا الفضاء العام.

و لنخب سياسيي ما بعد الثورة ( احزاب، اعلام، نقابة …)، الذين بسبب “اميتهم السياسية”، ساهموا في “ترذيل “الحياة السياسية، اقول لهم انتم اليوم تحصدون ما زرعتم، وما قمتم به كان مقدمة لإعلان ” موت السياسة”، فضلا عن ارجاع البلاد سنوات للوراء.

بالمناسبة ، اذكر سياسيينا بمقولة شهيرة المفكر الجزائري مالك بن نبي: ” عندما تمارس السياسة دون وعي ثقافي و عمق تنظيري تتحول الى عنتريات و فرقعة ولغو نضالي”.

 

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP