الجديد

"مع الجورنالجي": نعم، تونس بعد الثورة خير  

كتب: منذر بالضيافي
شهد العالم العربي خلال عام 2018 أحداثا هامة،  قطعا ستكون لها تداعياتها في قادم الأيام والسنوات، وسترسم بداية مرحلة جديدة في المنطقة العربية، بعد مرحلة ما سمي ب “ثورات الربيع العربي”، التي سرعان ما افل نجمها، لتعود أغلب دول المنطقة  الى مرحلة “الدولة التسلطية”، وتبقى التجربة الوحيدة الصامدة، هي تونس منطلق حراك 2011.
يواجه مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، الذي يدخل بعد أسبوعين عامه الثامن، أزمات عديدة ومركبة قد تؤثر على استمراه، فالأوضاع الاقتصادية الصعبة، رمت بظلالها على الحالة الاجتماعية، من خلال تدهور المقدرة الشرائية، وتفقير فئات واسعة من المجتمع، مرده انحسار بل تراجع الطبقة الوسطي، التي هي عمود وأساس الاستقرار الاجتماعي والسياسي، الذي أصبح مهددا من خلال تنامي الحراك الاحتجاجي والاضرابات العمالية.
بعيدا عن تصريف طاقاتنا في الاتهامات، فان جل الخبراء الموضوعيين، يجمعون على أنه وبعد ثمانية سنوات من ثورة 14 جانفي 2011 ، كان يمكن أن تكون الأوضاع أفضل مما هي عليه الان، في المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وأن البلاد أضاعت الكثير من الفرص، وانتهت بالسقوط في أتون أزمة اقتصادية، غير مسبوقة في تاريخها.
مثلما يقول المثل الشعبي التونسي، فان ما وصلنا اليه اليوم من تراجع في كل المؤشرات الاقتصادية، يصح فيه القول: “شوية من الحنة وشوية من رطابة اليدين”، بمعني أن هناك ما يفسر بعجز الحكومات المتعاقبة، عن تقديم الحلول ووضع السياسات، وبالتالي افتقادها للبرامج والتصورات، لتكون الحصيلة : الفشل.
على أن ما وصلنا اليه أيضا يجب وضعه في سياقه، أي سياق ما بعد انتفاضة أو “زلزال” حصل في البلاد، ونجم عنه دخول الأوضاع في ما يسمى ب “الحالة الثورية”، التي عادة ما تتسم بشيوع كل مظاهر “الانفلات” في المطلبية، وهي وضعية عاشتها تونس ما بعد الثورة، وطريقة معالجتها أثرت على الاقتصاد وخاصة على المالية العمومية للدولة.
وضعية لا يمكن أن تستمر، ولابد من المرور الى الاصلاحات الضرورية، وهي برأي سابقة حتى عن “املاءات” المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. و هنا لابد من التسريع بتعديل منوال التنمية بكل واقعية، مع الحرص على الملاءمة بين حاجيات الناس والبلاد والالتزامات مع المؤسسات الدولية، وهذا ممكن لو يحصل تلاقي بين الخيال السياسي المبدع وبين الارادة السياسية.
برغم أن المنجز الاجتماعي والاقتصادي ضعيف بل كارثي، فان مسار الانتقال الديمقراطي بقى صامدا، وهو ما يحسب لحيوية المجتمع ووعي النخبة التونسية على حد السواء، هذه النخبة التي نجحت و ما تزال في ادارة خلافاتها وتناقضاتها.
وذلك عبر اقرار “توافق” بين “مشاريع” متناقضة، ضمن حسن ادارة مرحلة لا زالت توصف بالانتقالية، واقرار تعايش ساهم في حماية المسار وفي التحول الى “حارس” له، ولعل استكمال حماية “التجربة” أو “الأنموذج التونسي”، يقتضي العمل على “مأسسة” هذا “التوافق”، عبر تحويله الى “عقد اجتماعي”، يحمى البلاد ومكاسبها ويحقق المنجزات والرفاه للتونسيين.
الان وهنا، بعد ثمانية سنوات من حراك “الربيع العربي”، تسير تونس باتجاه نحت تجربة ديمقراطية، في محيط عربي معاد للحرية وللديمقراطية، بما يؤكد خصوصية تونس، تلك الخصوصية التي أكد عليها البروفسور نعوم تشومسكي، عندما أكد على أن “تونس البلد الصغير، كانت مفصولة عن العالم العربي عامة حتى في موقعها”، وهو ما أكد عليه الرئيس الباجي قايد السبسي، في أكثر من مناسبة، من أن الذي حصل منذ ثمانية سنوات، هو “ربيع تونس” وليس “ربيع عربي”.
فتونس، أقرب الى الانفتاح على أوروبا منه للشرق والخليج العربيين، فضلا عن كونها متهيئة تاريخيا وثقافيا وسوسيولوجيا لبناء تجربة ديمقراطية، أكثر من كل الأقطار العربية الأخرى، وهو ما نشاهده اليوم، حيث عادت “الدولة التسلطية” في أبشع صورها ومظاهرها  لدولة مثل مصر مثلا.
خاصة وان ما يطمئن أكثر ان هناك اصرارا من الجميع في الحكم وفي المعارضة على أن يكون التداول على السلطة عبر الاحتكام للصندوق،  برز ذلك  من خلال تعاطي المعارضة مع الحراك الاحتجاجي، كما  برز أيضا في الخطاب السياسي لمن يحكم البلاد، من الالتزام بأن تجرى الانتخابات القادمة في موعدها وتوفير كل الظروف لإنجاحها.
الصعوبات التي تمر بها تونس، ليست قدرا لا يمكن تجاوزه، بل أن البلاد لها من الامكانيات وخاصة البشرية، ما يجعلها قادرة على تجاوز الأوضاع الحالية، والتأسيس لتجربة ديمقراطية .. لذلك، نقول: نعم، تونس بعد الثورة خير.
 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP