الجديد

السلطة ، السياسة والديمقراطية .. الحالة التونسية أنموذجا

بقلم: كاهنة عباس
إن الشعوب التي تؤسس رؤيتها للمستقبل واستراتيجياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على الشعارات تعجز عن تغيير واقعها .
فالشعارات ليست إلا وصفا سطحيا لواقع معقد، غالبا ما يطغى عليها الجانب الإيديولوجي مع ما يخفيه من دفاع عن مصالح فئة اجتماعية معينة، في مرحلة تاريخية ما .
لذلك نحتاج أكثر من أي وقت مضى، إلى توضيح بعض المفاهيم : مثل مفهومي “السلطة” و”السياسة” لارتباطهما  ارتباطا عضويا ،إذ يلاحظ المتابع للخطاب السياسي في تونس، وجود خلط بينهما لا على مستوى الخطاب فحسب بل وأيضا على مستوى الممارسة .
إذ تعرف السلطة في معناها اللغوي التحكم في الغير والتمكن من وضعية ، أما في مفهومها السياسي فتعني القدرة على اتخاذ القرار ، لتحقيق غايات متعددة من بينها تغيير الواقع الاجتماعي.
أما السياسة فهي شأن أشمل وأعم، لأنها تحيل إلى المجتمع وإلى كيفية إدارة شؤونه ، وإلى الأسس التي تمنح مجموعة من الأشخاص إمكانية اتخاذ القرارات على المستوى الجماعي لتمتعها بما يسمى الشرعية.
والسؤال المطروح : لم تثار جل الصراعات في تونس حول السلطة لا حول السياسة ، أي حول القدرة على اتخاذ القرار لا حول كيفية إدارة الشأن العام ؟ ما قيمة تلك القدرة في غياب رؤية معينة وبرامج واستراتجيات ؟ وهل يضحى الصراع من أجل السلطة أمرا مشروعا في غياب رؤية سياسية ،إن كانت الإجابة سلبية ،ما هي مخاطره ؟
لكن وقبل الخوض في هذه المسائل لا بد من طرح السؤال الأساسي :  ما هي أسباب الصراع ؟
للجواب ، يمكن القول إنها بلا شك، التعددية الحزبية التي نشأت بعد الثورة التونسية بفضل ممارسة الحريات العامة، وبروز سلطتين هما الإعلام والمجتمع المدني إلى جانب السلطات الثلاث الكلاسيكية المعروفة وهي التنفيذية ، التشريعية ، والقضائية ، مما قلص من السلطة التنفيذية الممثلة في شخص رئيس الدولة لصالح السلطة التشريعية الممثلة في نواب البرلمان، فبات من البديهي أن يفرز المشهد الجديد صراعات بين مختلف هذه السلطات من أجل الاستفراد بالقرار.
فلو عدنا إلى دستور 1959 لتبينا ما لرئيس الجمهورية من صلاحيات، لا فحسب بوصفه يمثل السلطة التنفيذية التي تنفذ القوانين ،بل كذلك بما أنه المكلف بتسمية الوزير الأول وأعضاء الحكومة وإصدار القوانين دون إمكانية مسائلته من طرف البرلمان أي من طرف نواب الشعب ، وقد أدى هذا النظام على مستوى التطبيق إلى احتكار السلطة من طرفه، أي إلى نظام رئاسي استبدادي .
لذلك كان لانهيار مؤسسة الرئاسة نتائج هامة، أدت إلى انهيار هرم السلطة برمتها ،لأنها تقوم قانونيا وفعليا على رئيس الجمهورية .
بعد اندلاع الثورة ، كان لا بد للطبقة السياسية أن تتبنى مطالب الثورة وأن تعيد هيكلة السلطة ،على أساس العقد المبرم بينها وبين الشعب لتمثيله وتحقيق مطالبه، وهو ما لم يحصل.
أغلب الأحزاب سواء تلك التي عادت إلى نشاطها أو التي نشأت بعد الثورة ،استعادت نشاطها انطلاقا من الهرم أي من المؤسسين الأوائل، لا من قواعدها، فلم تلتزم باتجاهاتها الإيديولوجية والسياسية،بل كانت في قطيعة ولو نسبية مع الفئات التي كانت تمثلها .
وهو ما جعلها لا تتبنى خطابا سياسيا يتمحور حول إدارة الشأن ، إلا عند اقتراب موعد الانتخابات ، لم تسع إلى تطبيقها بوصولها إلى الحكم .
أما السبب الثاني، يتمثل في فقدان الثقافة والتجربة اللذين يؤهلان هذه الأحزاب من تسيير دواليب الدولة ، لعجزها عن بلورة رؤية انطلاقا من إحصائيات ومعلومات دقيقة، وعدم درايتها بالمشاكل التي كانت تعاني منها الدولة من جهة وتجاهلها لمطالب الشعب من جهة أخرى ، فكان خطابها إيديولوجيا بحتا ،كما كشفت عن ذلك مداولات المجلس التأسيسي .
ويعود السبب الثالث إلى النظام الانتخابي النسبي لأكبر بقايا، الذي منح الفرصة للأحزاب الصغيرة من التواجد ودفعها إلى التحالف مع أحزاب أخرى رغم تباينها الإيديولوجي والسياسي، لذلك برزت ما سمي المحاصصة الحزبية أدت إلى تعطيل مصالح البلاد ،لاعتمادها المقايضة واقتسام السلطة في غياب رؤية سياسية شاملة تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة وإنجاز مشاريع وإصلاحات .
ورغم ذلك ،فقد منح الدستور التونسي للأحزاب الفائزة بأكبر عدد ممكن من المقاعد في البرلمان ضبط سياسة الدولة ضمن الفصلين 89 و 91 ، إذ يكلف رئيس الجمهورية مرشح الحزب أو الائتلاف الانتحابي الفائز بالانتخابات بتكوين حكومة خلال شهر من الإعلان عن نتائجها ( الفصل 89 ) ،وتقوم تلك الحكومة بتحديد سياسة الدولة ( الفصل 91).
ومعنى ذلك أن المنظومة القانونية المنبثقة عن 14 جانفي وسعت من نطاق المشاركة سياسية بأن أفرزت أحزابا صغيرة يمكنها التحالف مع أحزاب أخرى أكثر نفوذا واتساعا في إطار توافقي للوصول إلى الحكم ، مما أدى إلى صراعات بين الشخصيات المؤسسة لها أو نافذة فيها ، تعود أسبابها إلى تحديد مواقعها السياسية .
فكيف يمكن لحكم “الأحزاب” المتحالفة في ما بينها أو التي أبرمت توافقا، أن تضبط سياسة الدولة وأن تحسن من وضعية البلاد ؟ وهل تمثل الديمقراطية التوافقية فعلا مطالب الشعب بجميع فئاته أم سيؤول الأمر إلى نشأة ديكتاتورية أخرى لغياب التكافؤ بين الأحزاب المتواجدة من حيث الوزن والحضور والإمكانيات في الخارطة السياسية الحالية ؟ هل يبقى التوازن الوحيد الممكن قائما بين هذه الأحزاب و المجتمع المدني وتحديدا النقابات وهو ما يطرح إشكاليات لا تحصى ولا تعد ؟
ما قيمة التعددية الحزبية في غياب رؤية سياسية ،هدفها تحقيق المصلحة العامة وإدارة الشأن العام ؟
إذا كانت هذه الأحزاب تفتقد إلى مشروع إصلاحي لتحقيق العدالة والمساواة، فهل يكون الهدف من المسار الديمقراطي في تونس ،العودة إلى حكم الأقليات، الأمر الذي يفسر إسداء طابع شخصي على الصراعات السياسية القائمة  حاليا ؟
عديدة من الأسئلة تبقى مطروحة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة و استفحالها .

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP