الجديد

تونس .. ثورة سرقتها النُّخب

المهدي عبد الجواد
مرت ثماني سنوات على ثورة 14 جانفي 2011 و الجدلُ مازال قائما حول طبيعة ما حصل، بعض من الحقائق لا يزال غائبا، ان لم يكن الكثير منها. كيف سارت الأمور منذ تلك اللحظة؟ ما الذي تغيّر؟ من استفاد مما حصل؟ من هم المتضررون؟ تلك بعض من أسئلة، تروج في أذهان الكثير من التونسيين و التونسيات. وسط اختلافات في تقييم مسار الثورة بعد ثمان سنوات من عمرها.
يكاد المحللون جميعا، يتفقون حول مجموعة من المقولات، تحولت من كثرة ترديدها الى مسلمات، لقد تقدمنا في الجانب السياسي و كل ما تعلّق بالحريات و الحقوق، و لكننا ظللنا نراوح مكاننا بل و تأخرنا في الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية. هذا سليم، و لكنه يتكتّم في الحقيقة على مسألة أخطر بكثير، هي سرقة النّخب للثورة التونسية.
بدأت عملية السطو المُمنهج على الثورة التونسية، منذ بداياتها، في التسمية أصلا، فعندما كان الحُفاة من تونس الأعماق، يُواجهون آلة البطش، ثم يزحفون بخيامهم على القصبة، رمز سلطة المخزن منذ قرون، كان حقوقيون و مثقفون و سياسيون و إعلاميون يتنافسون في “تسمية” الثورة. عندما كان بعض الثوار يتجادلون في طبيعة التحرك، كانت النُخب تمنح “الثورة” صفاتها و أسماءها و تفرض عليها سردياتها. ثورة “الياسمين” أو”الكرامة” أو”الحرية” أو “الشباب”؟. ثورة أم انتقال ديمقراطي ام تحول ديمقراطي؟ و للتسمية استراتيجياتها و غاياتها. أولها رغبات الإلهاء و التعمية ثم الهيمنة. الإلهاء على الأهداف الرئيسية، ثم التعمية على المسار السليم وصولا إلى الهيمنة على بقية الفاعلين.
لقد تم التحويل الأول من خلال جعل الثورة سياسية، فتمت “التعمية” على أسبابها الاجتماعية الرئيسية. ثار الناس على التهميش و البطالة و “الحُقرة”، فإذا بالنقاش يتعلق بمجلس تأسيسي، بدستور و بنظام برلماني و قانون انتخابي، و مرسوم أحزاب و آخر للجمعيات و هيئات طويلة الاسم و لجان و صور و مؤتمرات و ندوات…و عندما كان المنتفضون يعودون الى جهاتهم الداخلية، كان المستشارون الدوليون و هيئات دعم الديمقراطية و الانتخابات و الممولين الدوليين ينزلون في قرطاج و يغزون الفضاء العام.
تم التحويل الثاني، من خلال طمس سردية الثورة، و توزيع “دمها” بين القبائل. هذه ثورة بلا قيادات و لا حكاية رسمية، بل لا شهداء لها و لا جرحى، لا ضحايا رسميون و لا جلادون رسميون… و لذلك منحتها النّخبُ سرديتها/ تاريخها. فهي إسلامية “من إبط القرضاوي”، و هي ثورة مغدورة عند اليسار و هي تتويج لمسار النضال الديمقراطي عند الحقوقيين و هي وصفة مخابرات او انقلاب عند آخرين… سرديات مختلفة، تشترك في تغييب الحكاية الأصل. هي ثورة الجوعى المهمشين في المناطق الداخلية، ثورة استلمتها النخب و حولت وجهتها.
تم التحويل الثالث، من خلال الإيهام بالنجاح السياسي. نجاح النّخب. و الحال ان ما حصل هو خلق طبقة من “كهنة” الثورة. عشرات من السياسيين و الأحزاب و الخبراء و الإعلاميين، يتبادلون الشتائم و المنافع، يُغيّرون الأدوار، حماة الثورة و جماعة الثورة المضادة، النظام الجديد و النظام القديم، جيل السياسيين القديم و جيل الشباب الجديد، المناضلون ضد الاستبداد و التكنوقراط…بعيدا على اهتمامات عامة الشعب الكريم. و في المحصّلة، ظهرت شريحة جديدة من نُخب، فقيرة المعرفة و الثقافة، متكالبة على السلطة و المال، تحكم علاقاتها الزبونية و المنفعة الذاتية، بمعزل تام على “شباب الثورة”
ان ثماني سنوات من الإيهام بالنجاح السياسي، لا يمكن ان تتواصل الى ما لا نهاية. حققت النّخبُ بعضا من أمانيها، عاد الإسلاميون من المنافي، و تمتع الجميع يسارا و إسلاميون و لبراليون و حقوقيون بالحرية، تنظما و تعبيرا و تفكيرا، و صعد كثير من “أنصاف الأميين” إلى البرلمان و إلى الحكم… و لكن هذه النخب نفسها فشلت في تجذير مكاسبها و في “حمايتها” فقد فشلت في إدارة خلافاتها و أوصلت البلاد الى حال من الشلل السياسي و وضع صار “القرفُ” من الأحزاب و السياسة و السياسيين أكثر الأمراض انتشارا عند التونسيين. فشلت أيضا في مواصلة “الإيهام” بالنجاح، فقد تعطل استكمال الهيئات الدستورية، و صار الخصام على “منافع” السلطة أوضح من يتم تزيينه او التعمية عليه.
لا يُمكن ان يتواصل أيضا، لان التعمية التي تواصلت على أهداف الثورة الحقيقية، بلغت نهايتها، فقد ازداد الفقر و الجوع و التهميش و العزلة، و نمى الإحساس أكثر فأكثر بالخيبة، و صار الوعي بــ “الخديعة” الكبرى التي تعرّض لها من انتفض سنة 2010 كبيرا. تُترجم ذلك الاحتجاجات المتواصلة في نفس البؤر التي شهدتها عشية الثورة. سيدي بوزيد و القصرين و سليانة، مثلث السيبة التي تثور دائما، و تُغدرُ ثوراتُها….
انه حصاد مرّ لثورة يتيمة… خذلتها طيبة أصحابها و سرقتها النّخب.
 
 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP