الجديد

حسن البنا.. 70 سنة على اغتياله  

تونس- التونسيون
يعد حسن البنا، من أبرز رموز العمل الاسلامي الحديث، فهو مؤسس أهم حركة “دعوية”، جماعة “الاخوان المسلمين”، سنة 1928 مدينة الاسماعيلية المصرية، هذه “الجماعة” التي تجاوز اشعاعها ربما “طموحات” مؤسسها، لتتحول الى ظاهرة شغلت ولا تزال الباحثين والمهتمين، بالعمل الدعوى وكذلك المشتغلين بالحقل السياسي، لا في مصر فقط “مسقط رأس التنظيم”، بل في كل أنحاء العالم، على اعتبار تمدد الجماعة، التي أصبح لها تنظيم دولي، داخل وخارج العالم الاسلامي.، فالي جانب “النفوذ” الديني والاجتماعي فان الجماعة اشتغلت في السياسة، لتتحول الى رقم “مزعج” في كل عواصم العالمين العربي والاسلامي. وتمر هذا الأسبوع (12 فيفري 2019) الذكرى السبعين لاغتيال مؤسس أو “مرشد” الجماعة، حسن البنا.
بالمناسبة نشر موقع الجزيرة الوثائقية بورتريه حول الرجل .. في ما يلي نصه:
 
في الثالث عشر من فبراير/شباط 1949 قبل سبعين عاما، قبيل الفجر في سكون الليل، أحضرت الشرطة جثة حسن البنا إلى بيت والده متسللين؛ حريصين على إخفاء جنازته وترحيلها بهدوء. حاصروا المنزل ولم يسمحوا لأحد بالاقتراب، قام والده بإعداد جثته للدفن، وحمل نعشه على كتفه وأكتف نساء البيت بعد رفض الشرطة مساعدته، وساروا به إلى الدفن. كانت الشرطة تصطف على طول الشارع كله، وكانت عيون الناس تصرخ ودموعهم تفيض من على الأبواب والنوافذ سخطا.
لم ينته المشهد هنا، بل امتد هذا إلى جامع قيسون الذي ستقام فيه الصلاة على حسن البنا، فكان الجامع خاليا من أي مصلّ، صلى عليه والده بمفرده، وبعد دفنه منعوا الناس من حضور العزاء، إلا قليلا تمكنوا من التعزية ولكنهم لم يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم
تفكيك قوة البنا
لم يكن غريبا هذا المشهد لجنازة هذا الرجل، فقد بدأت مشاهد تفكيك حسن البنا من كل قوة قبل نحو شهرين من اغتياله حين أصدر النقراشي باشا رئيس الوزراء المصري آنذاك قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين في الثامن من ديسمبر/كانون الأول ١٩٤٨، وأمر بمصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها، حتى إنه عندما بدأت حملة الاعتقالات همّ حسن البنا بالصعود إلى سيارة من سيارات الاعتقال التي حضرت لاعتقال أفراد من الجماعة، فاعترضه رجال الشرطة وقالوا له إن أوامرهم تقضي بعد القبض على حسن البنا.
صادرت الحكومة بعد ذلك سيارته الخاصة واعتقلت سائقه وشقيقيه اللذين كانا يرافقانه في تحركاته وسحبت سلاحه المرخص به، مما أشعر البنا بالخطر فأرسل كتابا إلى المسؤولين يطالبهم فيه بإعادة سلاحه ووضع مرافق مسلح على نفقته الخاصة؛ وإلا فإنه سيحملهم مسؤولية أي عدوان عليه.. وهو ما تم رفضه.
احتيال واغتيال
في الثاني عشر من فبراير/شباط ١٩٤٨ دُعي حسن البنا إلى اجتماع مع الحكومة في مبنى جمعية الشبان المسلمين، وقد قَبِل البنا حضور اللقاء بعد محاولات عديدة من سكرتير الجمعية محمد الليثي لإقناعه بجدوى هذا الاجتماع، فطلَب البنا من صهره عبد الكريم منصور مرافقته.
كان الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات للتفاوض على تسوية أوضاع الجماعة، لكنه لم يأت بنتيجة، فنزل البنا وصهره الساعة الثامنة من الجمعية بعدما أوقف السكرتير سيارة أجرة لتقلّهما. وعندما ركبا فيها إذا بمسلحَين يطلقان النار على البنا فأصابوه بست رصاصات في مناطق مختلفة من جسده. بقي ينزف أمام الجمعية لنحو الساعة حتى حضرت سيارة إسعاف أخذته إلى مستشفى القصر العيني، وهناك أيضا بقي ينزف ثلاث ساعات دون أن يُسمح لأحد بمعالجته إلى أن أسلم الروح، وطويت صفحة أبرز مصلح عرفه القرن العشرون، ومؤسس أهم جماعة انتشر أفرادها في كل محافظات مصر وصولا إلى كل الدول العربية والإسلامية.
لكن ما الذي كان ينطوي عليه هذا الرجل كي تشن عليه الحكومة المصرية حرب الاستئصال والاغتيال؟!
منذ نعومة الأظفار
عُرف حسن البنا بالتميز والحضور منذ صغره، ففي مدرسة الرشاد الإعدادية رشحه زملاؤه ليكون رئيس مجلس إدارة “جمعية الأخلاق الأدبية” التي تشكلت في المدرسة، لكن الحماس والتوقد عند البنا وزملائه دفعهم لإنشاء جمعية خارج حدود المدرسة سمّوها “جمعية منع المحرمات”، وكانت ترسل خطابات لمرتكبي الآثام أو المقصرين في العبادات، تدعوهم إلى نبذ ما حرم الله وتأدية ما أوجب.
التحق البنا بعد ذلك بمدرسة المعلمين بدمنهور، فعمل على إنشاء “الجمعية الحصافية الخيرية” التي تركز عملها على أمرين مهمين: نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة ومقاومة المنكرات والمحرمات، ومقاومة الإرساليات التبشيرية التي اتخذت من مصر موطنا تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب وتعليم التطريز وإيواء الطلبة.
في دار العلوم
في عام ١٩٢٣ انتقل إلى القاهرة حيث كلية دار العلوم العليا، وانضم إلى جمعية مكارم الأخلاق.
وشكلت كلية دار العلوم مرحلة مهمة جدا في حياة البنا، فقد كانت بداية خروجه إلى المدينة حيث تختلف أنماط الحياة فيها عما اعتاد عليه في القرية، ومما استرعاه هناك ضعف الوازع الديني لدى الناس، فقام البنا بتشكيل مجموعة شباب في الكلية ممن يشبهونه في حب اللغة العربية والعلم الشرعي وكان يتزعمهم.
عرض عليهم البنا الخروج لوعظ الناس في المقاهي والتجمعات العامة، فالذين لا يرتادون المساجد أشد الناس حاجة للوعظ. وقد دُهِش رواد المقاهي لحديث حسن البنا وتشوقوا لسماع المزيد.
في تلك الفترة اجتاحت مصر موجة إلحاد وإباحية بعد قيام مصطفى كمال أتاتورك في تركيا بإسقاط الخلافة، وكان حسن البنا يرتاد المكتبة السلفية وشارك في إنشاء جمعية الشبان المسلمين عام ١٩٢٧، وكان من أهدافها الأساسية مقاومة المد التبشيري والموجة الإباحية والإلحادية.
كان ذلك العام هو نفسه الذي تخرج فيه حسن البنا من دار العلوم أولا على دفعته، فتعين مدرسا للغة العربية في إحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية، وكان لهذه المدينة طابع خاص، حيث يرتكز اقتصادها على المستعمرات الإنجليزية، مما أدى لوجود إنجليزي وأوروبي كثيف.
بحث البنا عن الأشخاص الناقمين على طريقة الحياة في هذه المنطقة وأقنعهم بأفكاره، فكان يعقد المحاضرات في المساجد وأماكن التجمعات العامة، وكان الناس يأتون إليه من محافظات أخرى للاستماع إلى حديثه.
تأسيس جماعة الإخوان
في مارس/آذار ١٩٢٨، جاء للبنا ستة ممن تأثروا بأحاديثه وأفكاره وهم من العمال البسطاء وقالوا له كما يذكر هو في مذكراته: “لقد سمعنا ووعينا، وتأثّرنا ولا ندري ما الطريق العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين. لقد سئمنا هذه الحياة، حياة الذلة والقيود. وها أنت ترى أنّ العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظّ لهم من منزلة أو كرامة، وأنهم لا يُعدّون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب، ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجري حارة بالعزة في عروقنا، وهذه الأرواح تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفسنا، وهذه الدراهم القليلة من قوت أبنائنا، ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلى العمل كما تدرك أو نتعرف السبيل إلى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف وكل الذي نريده الآن أن نقدّم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يديّ الله، وتكون أنت المسؤول بين يديه عنا وعما يجب أن نعمل”. وكانت هذه بداية تأسيس جماعة الإخوان المسلمين التي ملأت الدنيا وشغلت الناس.
توسعت الجماعة في مدن مصر وشاركت في العمل السياسي، وكان لها أثر بالغ في شتى المجالات حتى إنها أصبحت في أواخر الأربعينات أقوى قوة اجتماعية سياسية منظمة في مصر، وأصبح لها العديد من الفروع في الدول العربية.
كانت القضية الفلسطينية حاضرة في نشاط البنا وجماعته، فقد كان ينظم المظاهرات ويكتب المقالات ويرسل المساعدات المادية، ووصل الأمر أنه نظم قوافل للجهاد في فلسطين، فقد جيّش من أنصار الإخوان من مصر والأردن والعراق من ذهب للجهاد هناك بلغ عددهم نحو عشرة آلاف شخص.
كانت علاقة حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين مع الحكومة المصرية علاقة مدّية وجزرية، لكن سرعان ما اقتنعت الحكومة بأن البنا وجماعته يشكلون عاملا معرقلا لمسلكها ومسيرتها، فبدؤوا بالتضييق عليهم إلى أن أُصدِر قرار حل الجماعة، وبعدها بشهرين قتل حسن البنا يوم 12 فبراير/شباط 1949عن عمر لم يتجاوز الـ42 عاما.
 
الرابط الأصلي للنص:
http://doc.aljazeera.net/portrait/%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7-%D8%B3%D8%A8%D8%B9%D9%88%D9%86-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%87?fbclid=IwAR2DQc-y6IKmUkp56BykfvUv_wKa7dnCZD2alBKAOq0cQ_FFaGSWe3IMunc
 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP