الجديد

النهضة”: “من الجماعة الى الحكم”: الترويكا، اغتيال البراهمي..وسقوط حكم النهضة / 17 من 30 /

منذر بالضيافي
خلفت حادثة اغتيال النائب محمد البراهمي (حويلية 2013)، ما يشبه “التسونامي” الذي أحدث زلزالا في المشهد السياسي والمجتمعي. وهو ثاني اغتيال سياسي في زمن حكم النهضة، خلال ستة أشهر فقط.
والذي تزامن –وهو ليس بصدفة- مع الاحتفال بذكري اعلان الجمهورية، 25 جويلية 2013. تمثلت أبرز عناوينه في كونه هز “عرش” حكم النهضة. خاصة بعد أن أخذت المعارضة الدرس من اغتيال بلعيد، وكيف استطاعت النهضة تجاوز تداعياته وبقت في الحكم.
وهو ما عملت المعارضة على عدم تكراره، من خلال تعليق مشاركة نوابها في التأسيسي. ثم تنظيم اعتصامات وتظاهرات، استطاعت ارباك حكم الاسلاميين. وأدخلت البلاد في أتون أزمة سياسية هي الأولى من نوعها والأشد منذ وصول النهضة للحكم بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011.
بروز شبح خطر مغادرة الحكم، جعل “النهضة” تستجمع كل قواها خاصة التنظيمية والتعبوية، مع الاستنجاد بخطاب ديني تجميعي، ينهل من تجربة “الجماعة الاسلامية” و “حركة الاتجاه الاسلامي”.
لكن اصرار المعارضة على الصمود والاصرار على اسقاط حكم النهضة كان قويا هذه المرة، على خلاف سابقة، ابان اغتيال شكري بلعيد.
وبالفعل طالت الأزمة السياسية، وتعطلت أشغال المجلس التأسيسي بانسحاب نواب كتلة المعارضة.
ودخلت الحكومة في حكم ما يمكن أن نطلق عليه “حكومة تصريف أعمال”. ولعل الضغط الداخلي، الذي ترافق مع ضغط خارجي، اقليمي ودولي. كلها معطيات فرضت واقعا جديدا، فرض على حركة النهضة القبول بمبادرة سياسية، تقضى بقبول الخروج من السلطة، والقبول بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، تعوض حكومة الترويكا التي ترأسها النهضة.
استطاعت حركة النهضة اسقاط مقترح حكومة الكفاءات، التي اقترحها أمينها العام ورئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي كحل لتجاوز أزمة اغتيال شكري بلعيد .
كما انها استطاعت أيضا، تجاوز خلافاتها وتناقضاتها الداخلية ما ظهر منها وما بطن. وتغليب “وحدة الصف” على “حق الاختلاف”. اضافة الى استعادة “المبادرة السياسية”، مستقوية في ذلك بأغلبية نيابية، كانت “معطلة” لكل حل لا يخضع لمباركتها وتأييدها. وهذا ما عجزت عن تكراره بعد اغتيال النائب محمد البراهمي.
مثلت الأزمة، التي عاشتها حركة النهضة، كحزب حاكم و كتنظيم عقائدي. التي فجرها اغتيال بلعيد و عمقتها مبادرة الأمين العام للحركة. فرصة لامتحان وحدة البنية التنظيمية للحركة. بعد أن برز للسطح وجود تيارين. تيار “معتدل” ما يزال أقلي وغير مؤثر. واخر “سلفي” أو “نسخة سلفية” على حد تعبير نائب رئيس الحركة الشيخ عبد الفتاح مورو. الذي قلل من تأثيره، بتأكيده انه “غير مؤثر”.
لكن الواقع بين عكس ما ذهب اليه الشيخ مورو. سواء من خلال الممارسة الحركية، والخطاب السياسي وداخل مؤسسات الحركة خاصة المكتب التنفيذي ومجلس الشورى. فاننا نلاحظ –دون عناء كبير – أن الجناح “السلفي” ماسك جيدا بعصب التنظيم. بل أن هذه “النسخة السلفية” هي المؤثرة والفاعلة. فهي التي أدارت ازمة ما بعد اغتيال بلعيد، من خلال تصدر رموزها للمشهد السياسي والاعلامي.
كما أن هذه –النسخة السلفية – استطاعت فرض تصوراتها وأجندتها. وهي التي اختارت الرجل القوي في التنظيم علي العريض، لرئاسة حكومة النهضة الثانية. على حساب مرشحين يحسبون على فريق المعتدلين مثل نور الدين البحيري. ما مثل انتصارا لوحدة الحركة و “وحدة التنظيم” ، باعتباره خيار أساسيا ومركزيا، يحظى بالأولوية ويأتي قبل استحقاقات الحكم، وقبل حتى استمرارية الدولة.
في انسجام تام مع البنية الفكرية والهيكلية للتنظيمات أو الجماعات العقائدية. مثلما بينه الغنوشي في حوار مع جريدة “الضمير” (21 فيفري 2013) القريبة من النهضة، حيث خاطب قواعده قائلا: “أقول لأبناء الحركة ولكل الصادقين والمخلصين في هذا البلد اطمئنوا لا تخشوا على وحدة الحركة رغم يقيننا أن هذه الوحدة مستهدفة منذ زمن بعيد وهناك قوى دولية ومحلية تشتغل على هذا ، ويكفي أن ننظر إلى الصفحات الأولى لبعض الصحف الفرنسية لنعلم ذلك” .
وأضاف ” هناك رهانات داخلية وخارجية على تفتيت الكيانات التي تشد العمود الفقري لهذا الوطن ومنها النهضة. وهم سيفشلون بإذن الله لأن وحدة الحركة ليس مدارُها رئيسُها كما يعتقدون، بحيث تصوّب إليه كل السهام ، وإنما وحدتها هي أرصدتُها المتمثّلة في فكرها الوسطي الإسلامي المعتدل الحديث الذي يجمع إليه معظم منطقة الوسط ذات المزاج المعتدل المحب للإسلام والحريص على العيش في العصر ،وثانيا في التوافق حول الديمقراطية نظاما وفي الالتزام المطلق بها وثالثا في قرار مؤسساتها وقد أثبتت التجربة أن كل من عاند المؤسسات وتمرّد عليها وجد نفسه في العراء ، وبقدر ما يكبر الزعيم داخل النهضة فإنه يصغر خارجَها .
بالعودة الى الشأن السياسي، ما بعد اغتيال البراهمي، كانت تونس تعيش منذ أشهر سابقة للاغتيال “أزمة حكم” وليس “أزمة حكومية”. تمثلت أبرز عناوينها في عجز الترويكا الحاكمة، بقيادة حزب “النهضة”. في الوصول الى انجاز اختراق في المشهد السياسي. بما يسمح لها من توسيع دائرة المشاركة في السلطة. مع استمرار الهيمنة على الحكم ومفاصل الدولة، وتكريس منطق الحزب الحاكم أو “العمود الفقرى” وفق عبارة لرئيس النهضة الغنوشي.
كما تمظهرت الأزمة السياسية من خلال بروز مظاهر التفكك لدى الثلاثي الحاكم من الداخل. في مؤشر جدى عن الاتجاه نحو “انهيار” تجربة التعايش بين الاسلاميين والعلمانيين في الحكم. كما يراد أن يروج لها في الخارج، خاصة من قبل حركة النهضة، لتبرز بمظهر الحزب الاسلامي المعتدل.
لكنها تعمقت أكثر، لتأخذ منحى أربك الحزب الحاكم. بعد اغتيال بلعيد و خاصة البراهمي، الذي فجر غضب شعبي ترجم عبر رفض لحكم الترويكا. في مشهد أعاد للشارع قوته الاحتجاجية، التي أعادت نفس المناخ الذي كان وراء سقوط نظام بن علي.
ضمن هذا المشهد المفتوح على كل الاحتمالات. بل أن سيناريو “الصدام” و “الغنف” بدا مرشحا أكثر من سيناريو “التهدئة”، بعد تمترس كل من “النهضة” و “المعارضة الدمقراطية” وراء مواقف متباينة. تقلصت معها امكانيات وجود فرص حقيقية للتوافق. قبل أن تدرك “القيادة العقلانية” أو “البراغماتية” في النهضة أن عليها التفاعل مع المستجدات، فكان أن قبلت بالمشاركة في الحوار الوطني، على أساس خارطة الطريق التي تقدمت بها أربعة منظمات أهمها الاتحاد العام التونسي للشغل.
هذا الحوار الوطني الذي توج بقبول حركة النهضة الخروج من الحكم، في سابقة لم تكن متوقعة من حركة اسلامية، لكنها سمحت باستمرار تجذير ادماج التيار الاسلامي في الحياة السياسية وفي المشاركة في الحكم.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP