الجديد

"كان 2019" عولمة سعيدة او اعادة انتاج للهيمنة ؟

هشام الحاجي
يعتبر اغلب المتابعين للظاهرة الرياضية بالتحليل و الدرس ان كرة القدم تعتبر احد تجليات العولمة و في ذات الوقت احد مظاهر مقاومة العولمة . فقد فرضت كرة القدم نفسها على جميع المجتمعات و تخطت كل اشكال المقاومة الرمزية و تحولت الى ما يشبه “غنيمة الحرب” التي سعت كل الشعوب لتملكها .
استفادت كرة القدم الى حد كبير من التطور اللافت لوسائل الاعلام و الاتصال لتفرض نفسها بوصفها التجسيد الامثل لمجتمع المشهد المعولم .
تمثل كرة القدم من خلال التزايد المتواصل لعدد متابعيها من خلال البث التلفزي و ارتفاع حجم المبالغ المالية التي تنفق داخل “عالمها المغري و المليء بالألغاز ” الى مظهر من مظاهر ‘العولمة السعيدة ” التي لا تضع حواجز بين الراغبين في التمتع بسحرها و التي لا تؤمن بالإقصاء على قاعدة الجنس او العرق او اللون او الانتماء الاجتماعي .
على النقيض من ذلك فان مصعد كرة القدم يعمل بشكل جيد و يمكن المنحدرين من اوساط اجتماعية معدمة و من ادغال افريقيا و جحيم الاحياء القصديرية لأمريكا اللاتينية من تجاوز الحتمية الاجتماعية و من دخول العالم المغلق لكبار المشاهير و الاثرياء المغلق .
و من مظاهر “العولمة السعيدة ” ان التقرب من نجوم كرة القدم يصبح هدفا يتفانى السياسيون في العمل من اجل بلوغه هذا دون ان ننسى تمحور الصناعة الاعلانية في جانب كبير منها حول كرة القدم و نجومها.
لكن هذه المعطيات لا يجب ان تخفي الوجه الاخر لعلاقة كرة القدم بالعولمة بوصفها مظهرا من مظاهرها و اداة من ادوات اعادة انتاج الهيمنة . و تتعدد الشواهد التي تؤكد هذا الدور و تكفي الاشارة الى الدور الذي تلعبه “الفيفا” في توجيه كرة القدم و في اخضاعها الى معايير معولمة لا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية و الاجتماعية .
و لا يمكن الحديث عن “الفيفا” دون التوقف عند اهم الشركات الراعية للتظاهرات الكروية الكبرى و التي تعتبر كلها من الشركات المتعددة الجنسيات و التي يفوق رقم معاملاتها ميزانيات عدة دول مجتمعة . و تمثل حقوق البث التلفزي مظهرا من مظاهر العولمة التي لا تهتم الا بالمال و مراكمة الارباح و التي تضع حواجز بين المستهلكين لأنها تسلع كل مظاهر النشاط الانساني .
لا شك ان “كان مصر 2019” تمثل انعكاسا لعلاقات الهيمنة على المستوى الكوني و يكفي ان نقف عند مؤشرين وهما ان اكبر الشركات الراعية للبطولة هي شركات اوروبية و فرنسية تحديدا و هو ما يعيد استحضار الاستعمار الفرنسي للقارة السمراء و ايضا تمسك فرنسا بالإبقاء على دور اقتصادي و سياسي في افريقيا .
و من مظاهر اعادة انتاج علاقات الهيمنة في كرة القدم الحضور الطاغي للمدربين من اصول اوروبية في هذه البطولة  في حين لم نشاهد الى حد الان مدربا من اصول عربية او افريقية يقود منتخبا اوروبيا و هو ما يمثل امتدادا لعلاقات الهيمنة و الايمان بقدرة “العقل الاوروبي” على حسن التصرف في “الطاقات الخام لإفريقيا “.
 
 

هشام الحاجي [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP