الجديد

كونتي في قرطاج: مغازلة  ايطالية لتونس في ملفي الهجرة السرية وليبيا

أمين بن مسعود *     
عندما يؤكد رئيس الوزراء الإيطالي جيوزيبي كونتي بأنّ تونس هي الدولة الاولى التي يزورها ضمن الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسّط, فهذا التصريح يجب التوقف عنده مطولا, والنظر إليه بمنظور التعمّق البعيد عن الانفعالية والانطباع التي قد تدفعنا إما إلى حالة من التفاؤل المفرط أو التشاؤم المشطّ أو “التشاؤل” الهجين وفق مقولة الكاتب الفلسطيني “إميل حبيبي”.
فتونس هي الدولة الأولى التي يزورها كونتي في شمال إفريقيا, ولكنها في المقابل الدولة الثانية التي يزورها بعد الولايات المتحدة ولقائه المطوّل مع دونالد ترامب حيث أفرز الاجتماع مخرجات غير مشجعة لأوروبا وللإطار المتوسطي في مواضيع الهجرة الشرعية منها وغير الشرعية.
وحيث أنّ روما لم تقدّم إلى يوم الناس هذا خطابا سياسيا وأداء غير تلك المسلكية السياسية والخطابية المعروفة عن التيارات الشعوبية واليمينية في قضايا الهجرة, فلن نجانب الصواب بأنّ زيارة كونتي ليست سوى استدراكا وتعويضا عن الزيارة الأخيرة التي أداها وزير داخليته ماتيو سلفيني إلى تونس والتي كانت بكافة السياقات والمعايير والمعطيات والمخرجات زيارة جدّ فاشلة ودون المأمول.
الأكثر من هذا, أنّ الزيارة التي عرفت مزالق كثيرة من ذلك جدارية حنبعل وراء المسؤول الإيطاليّ, وعدم استقباله من قبل رئيس الوزراء السيد يوسف الشاهد أو من طرف ممثل عن وزراء الخارجية التونسية, أفضت إلى اتساع الفجوة الديبلوماسية والسياسية بين تونس وروما.
فلأول مرة تنظم تونس على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة, مؤتمرا دوليا بعضوية كافة الدول المتوسطية ما عدا إيطاليا, حول البدائل الممكنة لإشكالية الهجرة بمنأى عن خطاب الشعوبيين وسياسات الإقصاء والإلغاء, كما أنّ كلمة تونس في المنبر الأممي والتي ألقاها وزير الخارجية خميس الجهيناوي ذهبت في اتجاه التباين الكبير والمطلق مع المقاربة الإيطالية في قضايا الهجرة غير الشرعية وخاصة بعد أن انتجت بعض الاجتماعات الأوروبية مواقف غريبة على غرار اقتراح “إنشاء غوانتنامو في المتوسط”.
كان من الواضح بالنسبة للقادة في روما, انّ تونس تذهب لا فقط بعيدا عن المقاربة الإيطالية, ولكن وهو الأخطر انها تتقارب بشكل كبير مع المقاربة الفرنسية في قضايا المهاجرين واللاجئين وهو ما اثار حفيظة إيطاليا بشكل واضح سيما بعد أن وجدت نفسها معزولة سياسيا وديبلوماسيا عن محيطها وعمقها الاستراتيجيّ.
بمعنى آخر, تجسّد زيارة رئيس الوزراء الإيطالي اليميني العنصريّ- لا يجب نسيان هذا المعطى- إلى تونس وخطابه الترغيبي عبر التأكيد على انخراط بلاده في المسار التنموي الاقتصادي في تونس, خطوة إلى الوراء ومراجعة جزئية لخطاب وزير داخليته الأخير في تونس والذي خصّصه فقط لآليات معالجة إشكالية المهاجرين وإعادة التونسيين منهم إلى تونس في أقرب وقت ممكن دون توقف إلى إشكاليات الهجرة العميقة وعلى رأسها القضايا والمسائل الاقتصادية والتنموية والاجتماعية.
إلا أنّ هذه المراجعة تبقى استدراكا جزئيا لا يتغلغل في عمق الأزمة ولا يغيّر جوهريا طبيعة المقاربة الإيطالية لموضوع الهجرة, ولا يجعل من روما شريكا قويا في معالجة قضايا الهجرة غير الشرعية والتي تفترض – اي المعالجة- أن تكون وفق قواعد القانون الدولي اولا ووفق الاتفاقيات الأورومتوسطية والتوافقات بين الضفة الجنوبية والشمالية دون مسلكيات أحادية أو انعزالية أو إقصائية.
الجزء الثاني من زيارة كونتي إلى تونس, تتنزل صلب المطلبية الإيطالية من تونس بالمشاركة القوية والفاعلة والوازنة في اجتماع باليرمو القادم والذي سيخصص إلى تسوية الملف الليبي.
يدرك كونتي أنّ لدى تونس ما ليس لدى الدول المجاورة الأخرى, فتونس ليست مصر التي تتحفظ على الدور الإخواني وتضع بيضها السياسي والعسكري في سلة المشير خليفة حفتر وداعميه السياسيين, وتونس ليست الجزائر التي دعمت في وقت من الأوقات الإسلاميين في ليبيا وكان هذا الدعم للأسف على حساب الأطراف الأخرى, وتونس أيضا ليست السودان ولا التشاد أو النيجر, أو حتّى المغرب الأقصى الذي قدم ورقة الصخيرات وغاب في الزحام.
فتونس تحافظ إلى حدّ ما على نفس المسافة من كافة الفرقاء, ورعت ولا تزال مؤتمرات المصالحة والوئام, ووحتّى عندما قدمت ورقة للسلام كانت ورقة إعلان مبادئ عامة أقرب منها إلى مشاريع التسويات الدقيقة.
بمعنى أوضح توجد قناعة عميقة لدى ساكني روما الجدد, بأنّ تونس تمتلك رصيدا رمزيا لدى الفرقاء الليبيين لا تمتلكه العواصم الأخرى, وهنا تكمن قيمة استدرار وجودها في الاجتماع وأهمية مشاركتها الفاعلة وقد تكون هذه هي الأسباب الحقيقية للاجتماع بقيادات حركتي النهضة والنداء في إقامة السفير الإيطالي بتونس العاصمة.
ولكن, وهنا بالضبط تولد الأسئلة العميقة والاستفسارات المحرجة, كيف سيكون ردّ الديبلوماسية التونسية على هذا “المقترح الدعوة”, هل ستقبل بالمقايضة الرمزية بين المشاريع الاقتصادية والتنموية مقابل الدعم لاجتماع باليرمو؟ هل ستنخرط تونس في مسار باليرمو أم انها ستتريث حيال واقع أمني وسياسي ليبي أقل ما يقال عنه بأنه تعيس وعليل وبائس؟؟؟
صراحة الأسئلة عديدة والامكانيات كثيرة, ولكن المؤكد انّ تونس ستفكر كثيرا قبل الانخراط في مسار باليرمو الذي جاء على أنقاض اجتماع باريس في ماي الفارط, وأن تونس ستتريث قبل الانضمام الفاعل في اجتماع باليرمو يعتبره القادة في فرنسا التفافا على مخرجات اجتماع باريس, ويراه العديد من الفرقاء الليبيين مضيعة للوقت وتشريعا لشخصيات بلا شرعية أو شعبية, وتتحفظ حياله البعثة الأممية التي كانت تمني النفس في انتخابات عامة ودستور ليبي نهاية العام, فإذ بمسارات التسويات متواصلة وإذ بالمكاسرات الإقليمية بين روما وباريس تقفز من البيان إلى الميدان ومن الخنادق إلى الفنادق…
 

  • اعلامي وباحث جامعي

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP