الجديد

اتحاد الشغل: من التأسيس .. إلى الريادة الوطنية

المهدي عبد الجواد

حلّت اليوم الذكرى الثامنة والسبعون(78) لتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل. ولقد احتفل النقابيون والشغالون بهذه المناسبة في ندوة فكرية ونقابية كبيرة، أثثها نقابيون من مختلف الاجيال، أشرف عليها الأمين العام للاتحاد السيد نورالدين الطبوبي وتدخل فيها السيد حسين العباسي الأمين العام السابق والسادة محمد الطرابلسي الأمين العام المساعد الأسبق والوزير السابق علاوة على عدد من القيادات النقابية. ومثلت هذه الندوة فرصة مهمة استحضر فيها المتدخلون محطات تاريخية هامة من عمر “المنظمة الوطنية” في مسار تاريخ وطني مليئ بالمحطات النضالية الاجتماعية والسياسية، منذ الإعلان على انبعاث المنظمة العمالية في ال20 من جانفي  من سنة 1946 بقيادة شهيد الوطن والاتحاد فرحات حشاد.

إن أهمية هذه الذكرى تكمن في رصد المسار التاريخي الذي تأسس فيه الاتحاد منظمة عمالية تجاوز حدود تأثيرها العمل النقابي بمفهومه الكلاسيكي التقليدي.

الاتحاد مبادئ وقيم:

لقد تأسس اتحاد الشغل في تونس على مجموعة من المبادئ شكلت أرضية صلبة انبنى عليها عمل الاتحاد في مختلف مراحله التاريخية، وهذه القيم الاربع هي:

– كون الاتحاد من جهة جوهره هو نقابة مهنية اجتماعية، تناضل ضد كل أشكال الحيف والظلم والعسف الاجتماعي وتهدف إلى تنظيم العمال والشغالين في مختلف المهن “بالفكر والساعد” من أجل الدفاع على مصالحهم وتحقيق مطالبهم، وفي سياق وطني تونسي خصوصي طرح اتحاد الشغل على نفسه ايضا الدفاع على عموم الفقراء والفئات المهشة والمستعبدة، لذلك كان اتحاد الشغل دوما “محجّة” يلجأ اليها المظلومون ومسلوبو الحقوق و الارادة.

– تبنى الاتحاد القضية الوطنية والمبدأ الوطني الشامل لكل القضايا الرئيسية لعموم الشعب التونسي. لذلك كان الاستقلال الوطني والعمل من أجل الديمقراطية والحريات قضايا مركزية في عمل الاتحاد، وتداخل تاريخ المنظمة مع تاريخ هذه القضايا الوطنية المهمة.

-شكلت مسألة استقلالية المنظمة المبدأ الثالث من مبادئ الاتحاد، وكان الأمر علامة على معركة تحرّر المجتمع والمنظمات من “هيمنة الحزب والدولة” ورغم أن علاقة اتحاد  الشغل والدولة مرّت بمحطات ومراحل مدّ وجزر فإن معركة الاستقلالية كانت عنوانا لبحث المجتمع التونسي على شروط للتحول الديمقراطي، ولعل رسالة الزعيم الوطني والنقابي أحمد التليلي للزعيم الحبيب بورقيبة حول الديمقراطية، علامة بداية الوعي صلب اتحاد الشغل بأهمية  الدولة الديمقراطية وضرورة توفير شروط المجتمع الديمقراطي والحريات من أجل مجتمع العدالة. وكان اتحاد الشغل سباقا منذ بدايات دولة الاستقلال في العمل من أحل

إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على اساس القانون والخريات

– أما المبدأ الرابع الذي انبنى عليه الاتحاد فهو البعد الكوني بما يعنيه من  انحياز الاتحاد للقيم الانسانيةو للحقوق والحريات. لقد اختار حشاد والمؤسسون معه الانخراط في اتحاد العالم للنقابات الحرة، ومنظمة العمل الدولية، وهو انخراط في قيم العالم الحرّ القائمة على النضال ومناصرة ودعم حركات التحرر والعدالة وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. وقد عبّر اتحاد الشغل دائما الالتزام بالمعايير الكونية للحقوق والحريات الطبيعية واحتضن المناضلين من أجلها ودعّم الجمعيات والمنظمات، وأعلن إلتزامه بالمبادئ والمواثيق الكونية.

الاتحاد ومعارك البناء

إن م المبادئ التي تأسس عليها اتحاد الشغل مترابطة تؤكد على الدور الوطني والاجتماعي والكوني لهذه المنظمة. ولقد لخص فرحات حشاد في إحدى خطبه النادرة هذا التداخل العجيب في أدوار الاتحاد وخاصة في “ارتباط” كينونته ووجوده بقضية الحرية والديمقراطية فقال: “هل يكون للعمل النقابي معنى بدونالضمانات الاساسية للحريات التي يطمح اليها كل إنسان في العالم؟ وهل يمكن تحقيق الانجازات الاقتصادية والاجتماعية لدى شعب لا ينعم بمنافع الديمقراطية؟ وكيف يمكن للحركة النقابية إن تتطور في بلد لا توجد فيه اية ضمان للحريات الفردية والطبيعية” لقد لخصت جملة فرحات حشاد كل تاريخ اتحاد الشغل، بل وتشكّل في اعتقادنا جوهر “التصور الخصوصي” للمنظمة النثابية التونسية للعمل النقابي.

فمنذ التأسيس انشغل عموم النقابيون بالقضايا “المافوق مطلبية” ولم يكتف الاتحاد بالمسائل المطلبية في مستوياتها “العارية” بل منها عمقها “الوطني” التحرر الوطني والاستقلال، ثم معناها الاجتماعي “التحرر والانعتاق الاجتماعي” فمعناها الإنساني “العدالة” ومستواها الكوني “التحرر الانساني”. لذلك كان اتحاد الشغل دوما عصيّا على “التصنيف” والتقييم. وخضعت علاقته للسلطة منذ فجر الاستقلال إلى عمليات شد وجذب من التشارك إلى الاحتواء إلى محاولات الهيمنة فالصراع. ومازال النقابيون يخوضون معركة الاستقلالية إلى  يوم الناس هذا، على اعتبار استقلالية المنظمة علامة على “العقد” الذي تختاره السلطة لطبيعة علاقتها بالمجتمع وأستراتيجيات هيمنتها عليه وعلى المنظمات والاجسام الوسيطة التي “تتكلم” باسمه.

الاتحاد والمستقبل .. إعادة التفكير في الدور الوطني

لا تختلف أجيال النضال الوطني أو أجيال التأسيس أو أجيال المناضلين السياسيين والحقوقيين حول الدور المحوري الذي لعبه اتحاد الشغل في تاريخ تونس الوطني الحديث والمعاصر، فللانحاد أفضال على الجميع. ودوره في معركة التحرير وفي بناء الدولة وفي معارك الحريات والديمقراطية مسلم بها. لكن الاتحاد اليوم يواجه تحديات كبيرة.

إن أجيالا جديدة من الشباب التونسي وخاصة من “نخب” تونسية و”سياسيين” ممن فتحت لهم “ثورة الحرية” فرصة المشاركة العلنية في الحياة السياسية، لا يشعرون بمزايا الاتحاد، فهم لا يعرفون التاريخ وغير مستعدين لاستحضاره. فثمة سرديات جديدة تحاول بناء “تاريخ جديد” يتم فيه محو ذاكرة الوطن بما فيه اتحاد الشغل..

لقد عملت حركة النهضة، وبصفة خاصة التيارات المتولدة من “حزب المؤتمر من أجل الجمهورية” على تأثيم التاريخ الوطني وترذيل مناضليه ومحو الدور التاريخي للأجيال الوطنية والنقابية، لذلك ترتفع في تونس اليوم أصوات عديدة تستهدف الاتحاد وتمسّ من مكانته ودوره. وانخرطت تيارات سياسية في ذلك. واللوم في الحقيقة غير محمول عليها، فلا “يُعذر الجاهل بجهله” ولكن اللوم يُلقى على الاتحاد الذي لم يعمل على صياغة سياسة تواصلية تكشف تاريخ المنظمة ودورها الماضي ومشاريعها الحالية وتصورها المستقبلي لتونس. لقد انخرط النقابيون والاتحاد في المعارك اليومية بشكل منعهم من الارتقاء بالنقاش العام، نحو معارك “المستقبل”.

ان إعادة التفكير في دور الاتحاد من “أجل صياغة عقد إجتماعي جديد” في ظل دولة الحريات والديمقراطية، والتفكير خاصة في آليات العمل النقابي وأسس خطابه التواصلي في مجتمع معولم ورقمي، وفي عوالم الاقتصاد المتحول الجديد، وقضايا الانسان المستجدة كالبيئة والرقمنة والذكاء الصناعي والمهن الجديدة، تظل قضايا حارقة على المنظمة العمالية التفكير فيها. ولكن قضايا المؤتمر والفصل عشرين والاستهداف العلني للمنظمة ومحاولات اختراقها داخليا وخارجيا، والعمل المتواصل على “احتوائها” واستهداف استقلالية قرارها، تمنع كل تفكير هادئ في المستقبل. إن قيادة المنظمة اليوم مؤتمنة على حفظ تراثها، ولكنها مسؤولة أكثر من ذلك على حماية استقلاليتها والأهم من ذلك هي مكلّفة بمهمة تاريخية تكمن في ضمان ديمومة المنظمة ووحدتها، وتجديد أهدافها وأشكال نضالها وناصر خطابها،في عالم متغيّر ومُتحوّل يُعادي أكثر فأكثر لكل المنظمات والنقابات.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP