الجديد

استاذ علم الاجتماع السياسي عبد اللطيف الهرماسي يكتب ل “التونسيون” عن “الديمقراطية الفاسدة”

عبد اللطيف الهرماسي*

ان المسار التونسي بعد 9 سنوات من الثورة، ما يزال مترنحا الى حد كبير، وهذا ما يبرز ويتأكد من خلال المآل، الذي آلت اليه الأوضاع بعد كل الآمال التي علقت، وعلقناها على ما يسمى بالثورة التونسية، برغم كل ما يشوب المفهوم من نقاش وجدل، لكن المهم هو تغيير نظام الحكم السلطوي.

كان هناك نوعا من الاستبشار، وتطلع الى قيام حياة ديمقراطية قوامها النزاهة والشفافية،  و أن يكون هناك سعي الى تحقيق توافق وطني ، لكن توافق حقيقي بين القوى السياسية في المجتمع التونسي.

توافق حول نمط المجتمع ، وكيفية ادارة الدولة والمشكلات التي قامت لأجلها الثورة ( قصور السياسات والخيارات التنموية ، التهميش والتفاوت الجهوي …).

كان هناك تطلع، وأمل بأن يسمح “العهد الجديد” بالتقدم، في اتجاه الاستجابة لهذه التطلعات والانتضارات.

الان وبعد 9 سنوات من الثورة، نلاحظ أنه انتابنا الشك، وأحيانا يصبح تقييمي لحصيلة التغيرات منذ 2011 تقييم يغلب عليه الطابع و المنحى السلبي.

أولا: ما اعتبر مطالب او شعارات الثورة ولنسميها تطلعات في الشغل والكرامة لم يتحقق منها أي شيء وبالعكس الأوضاع ربما ازدادت سوءا عما كانت عليه قبلها.

ثانيا: المكسب الوحيد الذي يمكن الاحتجاج به لفائدة الثورة هو الحرية.

صحيح البلاد شهدت مناخ حريات واسعة، وربما حتى حصل تجاوزات، الحرية في التعاطي مع السلطة كان كبيرا جدا، لدرجة الافراط والمبالغة، لكن يبدو لي أن الحرية تبقى هي الأصل وهي افضل من أي نظام اخر.

ان هذه الحرية فهمت او لم تكن مفهومة بشكل سليم، في كل الحالات فقضية ممارسة الحرية تتطلب ثقافة سياسية، وهذا لم يكن متوفرا لذلك رأينا فهم خاطئ للحرية، ولعل هذا ما يفسر الحديث عن “الانفلاتات” …

أصبحت لنا حرية منفلتة،  لا تعترف بأي سلطة ولا تعترف بالقانون والمثل العليا، التي تؤسس للعيش المشترك بين فئات المجتمع، وهنا ربما كان هناك خلط بين السلطة الغاشمة، والدولة كضرورة للعيش واستمراره.

أخطر تجليات هذا “الانفلات” في ما يهم العلاقة بالعمل والتشغيل، فظاهرة الاعتصامات العشوائية والصد عن العمل وتعطيل المؤسسات عن الانتاج باسم الحق في التشغيل، هذا النوع من الضغوط والمساومات كانت له نتائج وخيمة على الاقتصاد والتشغيل.

لقد انتقلنا من “دولنة المجتمع” الى تغول المجتمع على الدولة، وهذا يعود الى غياب ثقافة سياسية تسمح بفهم وتعاطي ايجابي مع مفهوم الحرية.

ما حصل هو ثورة على تغول الدولة،  التي أضعفت المجتمع المدني والسياسي ( الاحزاب) كما نشر النظام السياسي السابق ثقافة سياسية “زبائنية” قوامها “التمعش” من الدولة وهذه العقلية للأسف نجد أنها قد استمرت في مرحلة ما بعد الثورة.

اما الفساد فقد كان مستشري و ما زال، والفارق الوحيد انه كان في السابق مسكوت عنه والان يمكن الحديث عنه.

الفساد هو اساسا وفي المقام الاول، يهم الادارة والأجهزة السياسية، فجميع الادارات كانت خترقة من قبل الفساد.

اليوم نعيش تخوفات جدية على مسار الانتقال الديمقراطي، وفي هذا المجال هناك مفهوم جديد يلح عليا منذ فترة وهو: “الديمقراطية الفاسدة”.

تبين لي من خلال ملاحظات وشهادات ومعاينات في الواقع، أننا دخلنا مرحلة “الديمقراطية الفاسدة”، لأن مفهوم الديمقراطية يفترض أن يقود الى ديمقراطية فيها الحد الأدنى من الشفافية ..

ما نلاحظه أن ما يسمى بالانتقال الديمقراطي يتقهقر، نحو ما يمكن أن نسميه بإنتاج ديمقراطية فاسدة،  يتحكم فيها المال السياسي، ويكون فيها الفساد سيد الموقف ، ويترك فيها حرية الكلام، لكن بلا معنى أو تأثير، لأن التأثير هو لشبكات المصالح و ل “اللوبيات” و “زمر الضغط” …

بدأ عندي هذا المفهوم ( الديمقراطية الفاسدة) من لحظة ارساء تعايش سياسي مغشوش، قائم على احتكار سياسي مزدوج، و قائم على تقسيم النفوذ وتبادل المصالح .. وكانت البداية منذ سنة 2015 مع تشكيل حكومة الحبيب الصيد.

اللحظة الثانية التي جعلتني افكر في تفعيل هذا المفهوم (الديمقراطية الفاسدة)  هو عند مناقشة قوانين المالية، تحديدا عندما اقترحت الحكومة بعض من الفصول التي لو فعلت كان يمكن أن تحد من الفساد .

ما حصل حينها أن الأغلبية قامت بإسقاط هذه الفصول،  التي جعلت لمكافحة الفساد والتهرب الجبائي ..

هذا التوافق البرلماني، جسد حالة مفضوحة من الفساد السياسي، التي تكرسها مؤسسة البرلمان، والذي نلاحظ أنه بصدد الانتقال الى بقية مؤسسات الحكم.

*عبداللطيف الهرماسي:

باحث تونسي، يحمل الدكتوراه في علم الاجتماع من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة تونس (1986)، وهو اليوم أستاذ للتعليم العالي في الجامعة نفسها. له العديد من الكتب المنشورة، منها: الحركة الإسلامية في تونس؛ ظاهرة التكفير في المجتمع الإسلامي من منظور العلوم الاجتماعية للأديان؛ في الموروث الديني الإسلامي؛ قراءة سوسيولوجية تاريخية. وله أيضّا الكثير من المقالات المنشورة بالعربية والفرنسية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP