الجديد

الأزمة تنذر بالأسوأ .. الحل داخلي أو لا يكون

منذر بالضيافي

نظريا و واقعيا، لا يمكن ان تبقى بلادنا، بحكم ارتباطاتها ومصالحها، وايضا بحكم موقعها الجغرافي، بعيدة عن التحولات الجيو بوليتيكية المتسارعة في المنطقة، لكن على اهمية ما يجري حولنا، فإنني اقدر انه لن يكون لها تأثير مباشر على اوضاعنا الداخلية، التي تزداد صعوبة بل انها على حافة الانهيار، ومن هنا فان الحل لا يمكن ان يكون الا داخليا، والخارج يوجه لكن ليس محددا، كما يروج الى ذلك البعض، في مقارنة – فيها الكثير من الغباء الاستراتيجي- مع المثال الليبي.

فتونس ليست ليبيا، لا من حيث موقعها الاستراتيجي، فبلاد طرابلس قارة شاسعة وهي بوابة لأفريقيا هذه القارة التي سيكون لها شأن كبير في السنوات القادمة، – ولا ايضا من حيث ثرواتها، وهذا ما يحرك وحرك فعلا عواصم العالم الغربي، التي تسارعت للاتفاق على تسوية في ليبيا بعد عشرية من التقاتل، الذي كان ينذر بإعادة انتاج سوريا جديدة. ومع ذلك تبقى الأوضاع على الميدان هشة ومرشحة للانتكاس والردة في كل وقت، هذا ما وقفت عليه بأم عيني خلال زيارتي لطرابلس منذ ايام قليلة.

ما يجعل المثال الاقرب لتعامل الخارج مع أزمة بلادنا، هو الأقرب للسيناريو اللبناني، وبهذا فان تعامل الخارج مع الشأن التونسي، سيكون على غرار ما تم في الحالة اللبنانية ، التي تركت وشأنها، وحتى المحاولات الفرنسية، لم تحقق اي اختراق لغياب الرهان فيها وحولها، وايضا بسبب استعصاء الحل، بحكم التركيبة الاثنية والسياسية المعقدة، في بلد الارز الذي يخضع لاستعمار ايراني، عبر ذراعه السياسي والعسكري حزب الله، الذي يعقد كل تسوية سياسية وتحديدا كل تدخل خارجي.

و بالمناسبة، لا يجب ان نغفل على ان الخارج في غالبته، استثمر بجدية في الانتقال الديموقراطي التونسي، وراهن في غالبيته على امكانية قيام تجربة ديمقراطية في بلاد قرطاج، لكن النخب السياسية التي تداولت على ادارة البلاد وادارة “الانتقال الديمقراطي”، خذلته وهي المتسبب الرئيسي، في توقف مسار الانتقال الديموقراطي في بلادنا، وتحويل الفرصة في بناء تجربة ديموقراطية، في محيط معاد للحرية.

كما فشلت هذه النخب أيضا – التي تصدرها تيار الاسلام السياسي -، في تحقيق بنية اقتصادية تقطع مع الأتنوذج التنموي الذي قامت عليه ثورة 14 جانفي 2011،  برغم الاموال  الهامة، التي ضخت بسخاء وبأشكال وصور متنوعة ( قروض، هبات، مساعدات و…)، وهي اليوم تواجه أزمة اقتصادية غير مسبوقة، تنذر بشبح الافلاس.

هذا فضلا عن تساهلها – النخب التي تصدرت المشهد الما بعد ثوري – مع شيوع الفساد الذي تحول الى ورم سرطاني ينخر كل الجسم المجتمعي والمؤسساتي، فضلا عن “تغافلها” أيضا مع “الانفلات الامني”، الذي حول البلاد الى مصدر للإرهاب والهجرة السرية، الأمر الذي ازعج الغرب وجعله، يراجع حساباته في التعاطي مع الشأن التونسي، من داعم لتجربة ديموقراطية، الى ناظر لها كملف امني.

ولعل الضربات الارهابية الاخيرة، التي تورط فيها تونسيون خاصة في فرنسا، جعلت الاعلام الغربي، ينظر لبلادنا كجدار خلفي للإرهاب.

ولعل تنامي مخاوف الغرب الأمريكي وخاصة الأوروبي، من تحول تونس الى خطر على حدودها وأمنها، هو الذي يفسر الحراك الدبلوماسي في علاقة بتونس ( زيارة الوزير الأول الفرنسي رفقة وفد حكومي هام، تنقل الرئيس قيس سعيد الى عاصمة الاتحاد الأوروبي- بريكسال ..).

كما تدخل الغرب وبقوة، عبر سفراءه في مسعى لحلحلة الازمة السياسية في تونس، والتي دخلت طور الاستعصاء السياسي، واصبحت تنذر بتفكيك الدولة، بعد تصاعد الصراع حول اجهزة الدولة – وخاصة الامنية – بين رأسي السلطة التنفيذية، واستمرار رئيس البرلمان في “التمترس” على لعب دور في السياسة الداخلية والخارجية على حد السواء، ما أخل البلاد في صراع أصبح يعرف ب “صراع الرئاسات الثلاث”، وهو عبث يرتقي لتهديد الاستقرار ومدخل للفوضى .

وبالمناسبة، عبر عدد من السفراء في لقاءاتهم الخفية والمعلنة، عن قلقهم مما يحدث في تونس، وانه لا يوجد عقل سياسي لإدارة البلاد، والعمل على اخراجها من المأزق، الذي هو بصدد التحول من توتر قد يصل حد الصدام، “حركية السفراء” أثارت تساؤلات حول أفقها، وهنا لابد من الاشارة الى أن الخارج مهم في المساعدة على ايجاد تسوية،  لكنه لا يمكن ان يكون فاعلا ومؤثرا، الا في تفاعل مع معطيات الداخل، التي اقدر انها بعيدة عن وضع البلاد على سكة الانقاذ، خصوصا ونحن دخلنا مرحلة تعطيل مؤسسات الدولة.

ان كل مقومات اللا استقرار متوفرة في تونس اليوم، وهو وضع اقدر انه سيستمر في ظل استحالة تعايش الرئيس قيس سعيد مع الجميع، وجنوحه المفرط الى مركزة السلطة في قرطاج، واعداد البلاد لحكم فردي تسلطي.

في المقابل نلاحظ أن “حركة النهضة”، التي لم تغادر أروقة السلطة خلال العشرية الأخيرة، وهي التي تمثل اخر قلاع “الاسلام السياسي” في توجهه الاخواني في المنطقة (الذي تصدر مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي)، تخوض معركة تواجد ومصير، ولن تبقى في طور الفرجة، وتقبل بتسليم مفاتيح السلطة والنفوذ لأيا كان،  وهي التي خططت ل “التمكين” لمشروعها السياسي والمجتمعي، وهي التي تعيش على “فوبيا” الخوف من اعادتها الى المعتقلات والسجون، على غرار ما حصل مع اخوان مصر ( الحركة الأم).

ان المشهد الحالي، الذي سمته التوتر والصراع حول السلطة، وغياب كل امكانية للحوار والتوافق على التعايش، من أجل توفير الحد الأدنى من شروط الانقاذ الوطني، وهو – للأسف –مرشح للاستمرار وربما يأخذ فصولا وأشكالا تعجل بالصدام، اربك الدولة وجعلها عاجزة عن تامين وظائفها الاساسية، من خدمات عادية.

ولعل ازمة ادارة الكورونا خير شاهد على حالة الوهن والعجز، الذي تعرفه الدولة فضلا عن غياب حلول للتخفيف من وطأة الانهيار الاقتصادي، الذي أصبح تجاوزه خارج حدود تونس، وبيد المؤسسات المالية الدولية (خاصة صندوق النقد الدولي).

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP