الجديد

الأسرة التّربوية تستغيث: أين سلطة الإشراف؟

 

شعبان العبيدي

أحداث متسارعة تعصف بالأسرة التّربوية بمعاهدنا ومدارسنا الإعدادية أطلقت صفّارات الإنذار خلال الأسبوعين الأخيرين، ولكنّها قديمة جديدة منها ما راج وشدّ الرّأيّ العام الوطني وخاصّة أحداث العنف خلال الامتحانات الوطنية النهائية الّتي يتعرّض لها الأساتذة المراقبون، ومنها ما يقع التكتّم عنه ومحاصرته في جهته.

اليوم مع الأحداث الصّادمة ونحن نستعيد تاريخ المؤسّسة التربوية العمومية-برغم هناتها البيداغوجية وجراحاتها – التي كانت الحامل الأساسي لرقيّ المجتمع وتقدّم الدّولة وإشعاعها، حين كانت رؤية الزّعيم الحبيب بورقيبة تراهن على محاربة الجهل والفقر عبر مشروع تربويّ وطنيّ حداثي قادر على بناء إنسان مدنيّ حرّ قادر على خلق الثروة والإبداع.

وهو ما يعتبره “مالك بن نبيّ” أساس بناء الحضارة وميلاد مجتمع جديد  من خلال تلك العلاقة بين الإنسان والفكرة التي تؤسس المجموع الكليّ للعلاقات الاجتماعية الضّرورية للتقدّم- وهو ما جعله يفرض مجانية التّعليم وإجباريته. وحينها وضعت الدّولة الوليدة كلّ طاقاتها في سبيل توفير حقّ التعلّم والمعرفة لكلّ التّونسيين حتّى في أقاصي الأرياف والجبال. وهناك في قرية رومانية على أقدام جبل برقو درسنا وتشبّعنا بأصول المعرفة والتّربية.

وكانت تلك المدارس والمعاهد سبيلنا للكرامة والعمل وتحسين الحياة الاجتماعية لأسرنا. نجد أنفسنا مع عقود تهميش المؤسسات التّربوية وسنين التصحّر القيمي والفكري المبرمج أمام مؤسّسات مضطربة متداعية متروكة للفوضى والاعتباطية وضعف التّسيير وغياب الرقابة والإحاطة البيداغوجية والإدارية والنّفسية.

بالأمس كان المربّون بالنّسبة إلى المجتمع التّونسي المتمسّك بشبكة قيمه الاجتماعية في مرتبة الأنبياء أو المرسلين الإلهيين أو المثقفين العضويين الذين يجدون كلّ التّبجيل والاحترام بل يصل بهم الأمر في بعض الجهات الدّاخلية أن يكونوا أهل تحكيم في القضايا الأسرية والعائلية لما يحضون به من ثقة وإجلال. ولا شكّ أنّ هذه القيم التي يراها البعض ماضوية لا تتماشى مع التطوّر البيداغوجي وتغيّر طبيعة المتعلمين ونفسياتهم وقيمهم هو واهم. لأنّ هذه القيم الّتي نتحدّث عنها فيما يخصّ العلاقات الاجتماعية والتي تدور حول الاحترام والتّقدير هي من مقوّمات نجاح العملية التّربوية بالإضافة إلى ضرورة الإيمان بالتغيّر التّاريخي و ما يجب أن تقوم عليه العلاقة التربوية داخل المؤسّسة من أسس بيداغوجية جديدة قوامها الحوار وحسن الإصغاء والإحاطة واحترام المتعلّمين الذين هم نواة العملية التّربوية ومقصدها.

لكن للأسف حين نسمع خلال الأسبوع المنقضي كيف  تتمّ محاكمة أستاذة وكيف يقع تحشيد فيالق من المحامين بسبب تقييم تلميذ، وما انجرّ عنه هذا التّقييم من ضرر صحيّ. وكذلك حين نقرأ شكاوى المحامية إلى منظمات الطفولة يذهب في الظنّ أنّنا أمام جريمة إرهابية. هذا وكان يمكن أن تتولّى سلطة الإشراف متابعة الأمر والنّظر فيه قبل أن يتحوّل الحدث وما حفّ به إلى معركة مجتمعية.

طبعا نحن نعتبر أنّ هذا الذي جرى وما رافقه من تدوينات ومناكفات وما يُستعاد مع كلّ واقعة في وسائل الإعلام الرّسمية من تحريك لقضايا تخصّ العملية التّربوية في هذه المناسبة بالذّات من باب سكب الزّيت على النّار. ويظهر هذا فيما جدّ اليوم بمعهد الزّهراء بمندوبية بن عروس من اعتداء بالعنف بالبليغ من طرف تلميذ على أستاذه، وما أثاره هذا الحدث من فزع خاصّة بعد تعرّض الأستاذ لأضرار بليغة.

هذا إضافة إلى تدوينة تلميذ آخر بالجهة تعرّض حسب ما خطّه للتّحرش من طرف مدير المعهد الذي يدرس فيه يدقّ نواقيس الخطر كلّها على سلطة الإشراف، ويطرح قضية هامّة على وزارة التّربية حتّى تجد الحلول الكفيلة بإيقاف هذا النّزيف من العنف والاعتداءات والتّجاوزات الّتي باتت تعصف بالمؤسّسة التّربوية وتعلن نهايتها، بل وتدفع الأولياء إلى التوجّه إلى مؤسّسات التّعليم الخاصّ.

إنّ حماية المؤسسات التربوية من العنف ومن كلّ أشكال التجاوزات والتحرّش والاعتداءات من أيّ طرف كان داخل المؤسسة، والحفاظ على حرمة المتعلمين والمربين والعاملين بها حالة استعجالية قبل كلّ عملية إصلاح طال انتظارها. ولا بدّ اليوم أن تتحمّل الأسر باعتبارها شريكا في العملية التّربوية دورها بعد استقالتها كليّا طيلة عقود حتّى نضع حدّا لهذه الظّواهر المخيفة التّي باتت تهدّد المجتمع بأسره.

كما أنّه على الوزارة أن تعيد قيمة التكوين المستمرّ وتجعله من أولوياتها فيما يخصّ مراجعة عملية التّقييم الجزائي والامتحانات وتوفير سبل الإحاطة النّفسية بفئات من المتعلمين ممّن يشكون من جملة من الاضطرابات أو النقائص.

وكذلك مراجعة مشكل التّسيير في هذه المؤسسات وكيفية عمل باقي القطاعات بها لتكون منضبطة للقانون، تتمتّع بالجديّة وفرض القانون ومراقبة المعاهد وأروقتها أثناء ساعات الدّرس، لا أن يصبح العمل الإداري والرّقابي يُطوّع بالعنتريات النّقابية إلى ضرب من اللاّمبالاة والتمرّد على القيام بالواجب.

اليوم تجد النّقابة العامّة نفسها مضطرّة للدّعوة إلى إضراب عامّ وطنيّ بعد توالي الاعتداءات ضدّ المربّين، ويجد النّقابيون بالجهة مكرهين على التوقّف عن العمل احتجاجا على ما طل الأسرة التّربوية من ضيم وتجاهل واعتداءات من كلّ الأطراف.

اليوم ترد الدّعوة إلى إضراب وطنيّ أمام دماء زميلهم التي سالت بمؤسّسة تربوية انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية لتقول لكم ” كفى تجاهلا وتحريضا ضدّ بناة الفكر والرّوح ورجال التّربية والتّعليم وكان الأجدى بكم أن ترفعوا رجال العلم والقلم منازل التّقدير والتّبجيل، فإنّ الأمم لا تتقدّم إلاّ بهؤلاء الّذين يحترقون وتعمى منهم الأبصار وتذهب الصحّة حتّى يكون النّجاح والتميّز في كلّ مجالات العلم والإبداع حليف أبنائكم وبناتكم.

.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP