الجديد

الانتخابات الأميركية لا تؤرق جفون التونسيين

أسامة رمضاني

قبل أسابيع من الانتخابات الأميركية لا يزال اهتمام التونسيين محدوداً بالسباق الانتخابي بين المرشح الديموقراطي جو بايدن ومنافسه الرئيس الحالي دونالد ترامب.
قلة اهتمام لا تفسرها فقط أزمة كورونا التي جعلت الناس يتابعون قبل كل شيء أخبار الجائحة وخطرها المتعاظم في تونس. ولا يفسرها عدم فهم معظم التونسيين للنظام الانتخابي الأميركي المعقد.
في الواقع، وفي خضم الأزمات السياسية والاقتصادية المتتالية، ليس من الغريب أن تحتل الأحداث والمشاغل الداخلية أعلى سلّم أولويات الرأي العام.
نقاشات الحملة الانتخابية الأميركية لا يكاد يصل صداها تونس وإن كان لانعكاساتها المُحتملة تأثير مباشر وغير مباشر على صعد مختلفة على السياسات الأميركية في بلدان المنطقة.
موضوعياً، لم تتضرر مصالح تونس في ظل إدارة الجمهوريين، إذ تواصلت مختلف أشكال التعاون بعيدة عن الأزمات واستمرت الاجتماعات والاتصالات الثنائية بانتظام.
ولكن هذه الاتصالات بقيت خارج دائرة الضوء لأسباب عدة. أولها أن جانباً من الاجتماعات التونسية الأميركية كانت في خانة التعاون الأمني والعسكري وهي خانة تكره الأضواء أصلاً.
وقد ارتكز التعاون على سبل التعامل مع التهديدات الإرهابية وتداعيات الوضع في ليبيا.
ولعبت الولايات المتحدة دوراً هاماً في معاضدة الجهد التونسي لمقاومة الاٍرهاب وتعزيز الأمن الحدودي، خاصة بعد التهديدات الإرهابية الخطيرة التي واجهتها تونس سنة 2015، وتلاها تركيز حاجز ترابي والكتروني على مدى 200 كيلومتر تغطي حيزاً هاما ولكن ليس كاملاً من الحدود التونسية الليبية. وتسعى تونس حالياً حسب تصريح وزير دفاعها إلى تعزيز هذا الحاجز.
واللافت هو أنّ هذا التعاون يُطرح على الساحة بقدر كبير من الشفافية، وهو لا يثير حفيظة غالبية الأطراف السياسية. والتحفظات القليلة أثيرت من بعض السياسيين والنقابات للاعتراض على نشر قوات أو تركيز قواعد أميركية عندما يتم التعرض بشكل أو بآخر لمثل هذه الاحتمالات.
وتتابع النخبة السياسية التونسية المهتمة (أو على الأقل بعض مكوّناتها المهتمة بالسياسة الخارجية) التحركات الأميركية في ليبيا على أمل أن تساعد هذه التحركات في إيجاد تسوية الأزمة الليبية، وهي أزمة كانت مكلفة جداً لتونس منذ سقوط نظام القذافي سنة 2011.
والهاجس الرئيسي لمعظم الأحزاب والساسة هو النأي بالبلاد عما يوحي بالاصطفاف الإقليمي أو الدولي. وتتمحور التساؤلات عن مدى انعكاس نتيجة الانتخابات الأميركية القادمة على استمرار واشنطن في لعب دور نشيط في ليبيا، سواء أكانت دفة الحكم بين يدي الديموقراطيين أم الجمهوريين على ضوء تصميم الحزبين على مواصلة الانسحاب من المنطقة.
أما في مجال العمل الدبلوماسي المتعلق بالقضايا الإقليمية أو الدولية، فلم يكن لتونس القدرة أو الاستعداد كي تحشر نفسها في تقاطعات أو تناقضات حساسة مع المواقف الأميركية، وفضّلت الإبقاء على مواقفها الحذرة البعيدة عن أي جدل.
وليس هناك على الساحة التونسية من يتنبأ بثقة بمن سوف يكسب اقتراع تشرين الثاني (نوفمبر) في أميركا. ولكن هناك شبه قناعة، بغض النظر عن الموقف الأميركي المقبل تجاه الأزمة الليبية، بأن فوز بايدن قد يفتح أبواباً أوسع لدعم الانتقال الديموقراطي في تونس، وخاصة على صعيد المسار الاقتصادي المتعثر.
ويستند أصحاب هذا الرأي الى الاعتقاد بأن إدارة الرئيس الديموقراطي الجديد، إن فاز بايدن بالانتخابات، سوف تبني على تجربة إدارة أوباما ومعرفة تلك الإدارة بالمسؤولين التونسيين وبالتجربة التونسية، كما تستند الى تصريحات المرشح المنافس لترامب بأنه سوف يسعى لنشر القيم الديموقراطية ودعمها في العالم. ويضيف أصحاب هذا الرأي أن ترامب، عكس منافسه الديموقراطي، يفضّل “الأنظمة السلطوية” ولا يهمه نجاح انتقال ديموقراطي من عدمه.
وتطرح هذه التوقعات والتخمينات أسئلة قديمة ومتجددة حول دور الدعم الخارجي في إخراج تونس من أزماتها.
وكانت النخبة التونسية في فترة ما لا تخفي خيبة أملها مما كانت تراه غياب أَي استعداد ملموس لدى الغرب (بحكوماته الليبرالية والمحافظة) لإطلاق مخطط مارشال جديد لدعم بلدان المنطقة التي تمر بانتقال ديموقراطي.
في الوقت نفسه، كانت دوائر الحكم في واشنطن، في خارج إطار المحادثات الدبلوماسية المؤدبة قبل مجيء ترامب وبعده، لا تخفي من ناحيتها خيبة أملها من غياب الرؤية المستقبلية الواضحة لدى حكام تونس المنتخبين ديموقراطياً حول كيفية إخراج البلاد من مطباتها السياسية وركودها الاقتصادي.
ولا تزال هناك لهذا الْيَوْمَ مآخذ في واشنطن وخارجها في الغرب، بِما في ذلك دوائر المانحين والدائنين، حول غياب الاستقرار الحكومي وقلة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المطمئنة على قدرة وعزم السلطات والطبقة السياسية المحيطة بها على إخراج البلاد من عنق الزجاجة.
والمثير للانشغال هو أنه في غياب أرضية ملائمة لنسج علاقات متوازنة ومتعددة الأوجه مع بلدان العالم، بما يسمح لتونس بتثمين طاقتها البشرية، يتحول تعاون تونس مع شركائها الأجانب في كثير من الأحيان إلى سعي للحصول على الدعم الخارجي والقروض اللازمة من أجل تأمين الحاجيات الأساسية من أمن وغذاء وجرايات موظفين، تضاف إليها في الوقت الراهن الضرورات الصحية الطارئة في مواجهة أزمة كورونا.
وتضيع عن تونس آفاق التعاون الأرحب والتي تحتاج إلى تخطيط بعيد المدى بعيداً عن الضغوط العاجلة.
غياب الاستقرار وتواصل الأزمة الاقتصادية يضعفان أيضاً قدرة البلاد على الحوار المتكافئ مع أميركا أو غيرها حول القضايا الإقليمية والدولية.
وفِي الأثناء لا تؤرق جفون التونسيين نتيجة الانتخابات الأميركية القادمة. فلهم ما يكفي من المشكلات والتحديات التي قد تشغل بالهم وتطير النوم عن أعينهم.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP