الجديد

الحراك الاحتجاجي: انفلات مجتمعي .. وغياب للدولة

منذر بالضيافي

مثلما يقال فان للمقدمات نتائج، وهذا هو ما ينطبق على وضعية تونس اليوم، عشية احياء الذكرى العاشرة لثورة 14 جانفي 2011، اذ بدأ بالكاشف أن البلاد بدأت تدفع “فاتورة” حالة عدم الاستقرار السياسي، والتي من أبرز عناوينها تعدد الحكومات، الذي كان على حساب الملفين الاقتصادي والاجتماعي، ليستفيق الجميع على انهيار اقتصادي ينذر بانفجار اجتماعي، بدأت مؤشراته تتوضح من خلال انتشار الحراك الاحتجاجي.

هذا الحراك، الذي تميز بكونه قد شمل عدد كبير من القطاعات والجهات، فضلا عن الشكل التصعيدي الذي أخذه،  والمتمثل في قطع الطرقات وايقاف مواقع الانتاج ( في الفسفاط والنفط…)، منذرا بانطلاق ما أصبح يعرف ب “حراك الفانات” (غلق فانات الانتاج)، الذي انطلق من “الكامور” وبدأ يتمدد أو يستنسخ في جهات ومواقع أخرى.

شكل احتجاجي غير مسبوق و غير متعارف عليه في السابق، يبدوا أنه بصدد الاستفادة من  ضعف الدولة، وترددها في استعمال “العنف الشرعي”، لكن دون ان يكون لها رؤية أو استراتيجية، في التعاطي مع هذا التصعيد الذي ينذر بالتحول الى “تمرد”، اذا لم يتم التحرك بسرعة من أجل تطويقه.

وهذا ربما ما تفطن له رئيس الحكومة اليوم الأربعاء 2 ديسمبر 2020، الذي أمر “بضرورة التحرّك الفوري لبسط سلطة القانون والتدخّل بالتنسيق مع النيابة العمومية لفتح الطرقات وإعادة تشغيل مواقع الإنتاج التي أدّى غلقها إلى صعوبات في التزوّد بالمواد الأساسية لدى عموم التونسيين والإضرار بمصالحهم الحيوية وأمنهم العام وأمن البلاد القومي”.

برغم التصعيد وغلق الانتاج، فان الحراك الاحتجاجي في الجهات شرعي، لكن لابد من تأطيره بهدف تجنب المساس بمقدرات الدولة ، من جهة البنية التحتية، ومراكز الانتاج ،وكذلك الحفاظ على سلميته، وتحاشي التحرش بالأمن والجيش الوطني. وهنا نذكر  بأن تجربة السترات الصفراء في فرنسا، فشلت لآنها انزلقت نحو العنف، وتعطيل المرافق العامة، من مثل قطع الطرق.

وبالمناسبة على المحتجين أن يدركوا جيدا أن تنويع التحركات الاحتجاجية وسلميتها، والاهم وضوح مطالبها ، وحرصها على التغيير ، وتحميل مسؤولية ما الت اليه البلاد للجهات التي ادارتها في الفترات السابقة، سيفرض تسوية سياسية منصفة للمحتجين، ولكل فئات وشرائح المجتمع، التي تعاني التفقير- وان بدرجات متفاوتة – كما تعاني من تردي الخدمات الاساسية (صحة، نقل، تعليم…).

كما عليهم أن يدركوا أن المنظومة السياسية الحالية، بصدد الاحتضار وأنها اصبحت عاجزة  عن تقديم الحلول وادارة البلاد، وان التغيير قادم ولا مفر منه، لكن لابد من حسن ادارة التحكم فيه وفي اجندته، حتى يفرز قيادات من رحم الحراك لها تصورات وبدائل وفي قطيعة مع من سبقها.

ولا اشك ان تونس مقدمة على مرحلة جديدة، سوف تطوي ما سبقها ، وتعاقب رموزها على الفشل، والانهيار الغير مسبوق للاقتصاد والتنمية، وعلى شيوع الفساد واضعاف مؤسسات الدولة.

 نتفق اليوم، وبعد 10 سنوات من الثورة، أن الانتقال الديمقراطي يعيش حالة “موت سريري”، وأن هناك فشلا ذريعا في الاستجابة للاستحقاقات التي قامت عليها الثورة، في الخلاصة هناك ما يشبه الاتفاق أو الاجماع على التشخيص.

لكن، في المقابل هناك غياب لبدائل تقدم حلولا بعيدة عن الخطابات الشعبوية المملة والانشائية ، والتي تروم  الهروب للأمام، أو تلك التي تعمل على  مزيد “توتير” المشهد.

وهنا ودون تعويم أقول أن “النخب” فشلت في تأمين الانتقال الديمقراطي، وفي الاستجابة لاستحقاقات الثورة، واعني بالنخب لا الأحزاب السياسية فقط خاصة التي حكمت أو تداولت على الحكم، وهي في الواقع تتحمل الوزر الأكبر من الفشل و حالة الاحباط المجتمعي، لكن هذا لا يجب ان يحجب علينا الدور السلبي الذي قامت به بقية مكونات “النخبة”، في الاعلام والنقابات والمجتمع المدني …..

وبالمناسبة وبرغم “احترازي” على المنظومة القانونية التي حكم بها المشهد خلال السنوات العشرة الأخيرة، من دستور وقانون انتخابي ونظام سياسي، التي قد تكون لا تناسب أوضاعنا والمزاج المجتمعي العام (الذي يفضل أو يحن مثلا للنظام الرئاسي)، فانه في المقابل علينا أن ندرك أن لكل نظام سياسي عيوبه ومشاكله، وبالتالي نعود للنقطة التي انطلقنا منها، بأن المسؤولية تقع على عاتق النخب.

ولا يجب أن نبحث عن ذرائع في النظام السياسي وفي الدستور على علاته، ولا يمكن لأيا كان اليوم أن يتملص من الفشل والمأزق الذي الت اليه البلاد، فتقريبا كل مكونات الطيف السياسي “مورطة” في “النكسة” و “الردة” الحاصلة، بما في ذلك “الطيف الشعبوي” الذي يبدوا أنه اختار الاستثمار في “تعفن” الوضع، لا تقديم حلول وبدائل وهو في الأصل لا يمتلكها.

بعد عشر سنوات من العجز عن ادارة الدولة، وعدم تحقق اي منجز او استحقاق من الاستحقاقات التي قامت عليها الثورة( التنمية الجهوية والتشغيل ..)، من الطبيعي ان يتمدد الحراك الاحتجاجي، وان يأخذ اشكالا و صورا عديدة، ولا يمكن لأي جهة التشكيك في شرعيته او محاولة الاساءة اليه.

لكن ما يجري خلال الايام و الساعات الاخيرة، من استنساخ لأشكال الاحتجاج ، في تزامن مع تعطل مرافق وخدمات اساسية ( الغاز المنزلي) ، وارتفاع منسوب التوتر السياسي وانتقاله من البرلمان الى الفضاء العمومي، فضلا عن تواتر “اخطاء اتصالية” حكومية ، يجعل ما يجري محل استفسار.

وبعيدا عن نظرية المؤامرة فان سياق ما يحصل من حراك وتواتره واشكاله وحتى ربما تنظمه ( تنسيقيات في كل مكان)، يعد مدخلا قد يفتح باب التشكيك في ” عفوية” التحركات الاحتجاجية.

كما يفرض ايضا التساؤل عن الجهة المستفيدة منه (الحراك ) ، وتحديدا من مزيد ” تعفن” الاوضاع؟

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP