الجديد

الحوار الوطني .. المطلب المستحيل !

منذر بالضيافي

بعد “مماطلة” دامت أكثر من أربعة أشهر، أعلن نهاية الأسبوع المنقضي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي، عن “ارتياحه لما ابداه رئيس الجمهورية قيس سعيد من تمسك والتزام بالمبادرة المتعلقة بالحوار الوطني”، خلال لقاء غير معلن جمع بينهما، وفق ما صرح به الطبوبي  لقناة “فرانس 24″ وأكده اليوم الأحد الامين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري في تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء (وات).

الاعلان المفاجئ لقبول سعيد للحوار الوطني، ما زالت تصاحبه نقاط غموض كثيرة، زاد تصريح الطاهري في تغذيتها، عندما أكد على ” ان اتحاد الشغل ينتظر خطوة رئاسة الجمهورية في غضون الأسبوع القادم لتوضيح بعض الإجراءات بخصوص موعد الحوار الوطني وهوية الأطراف المشاركة فيه وتحديد الآليات التي سيتم اعتمادها لتنظيم هذا الحوار”.

يأتي هذا “القبول” للحوار المعلن عنه من جهة واحدة (المنظمة الشغيلة)، في سياقات ومناخات سياسية لا تتوفر على الأرضية الدنيا لانطلاق حوار وطني، تكون بوصلته اخراج البلاد من أتون أزمة شاملة ومعقدة، تحول فيها الرئيس نفسه، الى طرف توجه له الاتهامات، ب “تعطيل” و “ارباك” السير العادي لاشتغال مؤسسات الدولة.

كما يأتي اعلان الطبوبي في ظل تمدد ازمة الثقة بين كل من القصر من جهة و الائتلاف الحكومي والبرلمان من جهة ثانية، واطلالة شبح الافلاس بعد تتالي التصريحات سواء للمسؤولين التونسيين أو الدوليين عن دخول البلاد في دائرة “الخطر الاقتصادي”.

كما سمح تواصل الأزمة وعجز الفاعلين في الحكم عن تجاوزها بل أكثر من ذلك “تمترس” كل جهة بموقفها، والاستمرار في ارسال خطابات لا تساعد على تجسير الفجوة بقدر ما تزيد في مزيد “سكب الزيت على النار” كما يقال.

وهو ما سمح للخارج بوضع أنفه وبقة في الشأن الداخلي، عبر تدخل قوي وفاضح للسفارات، في محاولة ل “الوساطة” على غرار ما يحصل في لبنان بالضبط، بعد استعصاء الخلاف بين الحريري والرئيس عون، وهو ما يجعل “السيناريو” اللبناني غير بعيد عن بلادنا، لو استمرت الأوضاع على ما هي عليه، في المجالين الاقتصادي/ المالي والسياسي.

لا يمكن الحديث عن حوار دون تمهيد له، أي دون توفير الشروط الدنيا لانطلاقته على الأقل، ونقدر أنها غير متوفرة في المشهد التونسي الحالي، برغم تعالي “المناشدات” الداعية له، باعتباره “الوصفة” الوحيدة للخروج من “منطقة الخطر” التي دخلت فيها البلاد.

ولعل من أول “مبادرات حسن النوايا”، ايجاد “تسوية” على قاعدة لا غالب ولا مغلوب لأزمة التحوير الوزاري، اذ نلاحظ تمسك كل طرف بموقفه، خاصة قيس سعيد الذي رفع من شروطه السابقة، المتمثلة في رفض قبول أداء اليمين لوزراء بعينهم قال أنه تحوم حولهم شبهات فساد، الى المطالبة برحيل رئيس الحكومة هشام المشيشي، وهو طلب يرفضه المشيشي والائتلاف الحاكم وكذلك اتحاد الشغل، خاصة في هذا الظرف الذي تمر به البلاد، وهي تواجه استحقاقات تفرض “استقرار حكومي”، يمكنها من مواجهة مخاطر الوباء والافلاس.

في المقابل، هناك شبه اجماع على أن الرئيس سعيد قد تحول الى “قوة تعطيل”، وهذا في الواقع متوقع وسبق أن أعلن عنه حتى قبل وصوله للقصر، فالرجل تشير كل خطاباته وممارساته على أنه بصدد اعداد الأوضاع لصالح مشروعه السياسي، يبرز ذلك من خلال طريقة معالجته للأزمات الداخلية وموقفه منها وأيضا من خلال علاقاته الخارجية والنشاط الدبلوماسي، وكأنه يدفع باتجاه “تعفين” الأوضاع وهو “يتوهم” أنه سيكون المستفيد، وسيقدم حينها نفسه كمنقذ، و يتربع بالتالي “كحاكم بأمره” في البلاد، سيناريو ليس من بنات أفكارنا أو تحامل على الرجل، بل أنه تصدقه “سياساته” و “مواقفه” و “خطاباته”، التي تبشر بالحلم ب “مشروع” اخر يقوم على تصفية القائم، بما في ذلك مسار الانتقال الديمقراطي، والنظام السياسي، الذي جاء به للحكم.

في هذا السياق الذي لا يتوفر على الشروط الدنيا لقيام حوار وطني، وخاصة تحت اشراف مؤسسة الرئاسة، يعلن الطبوبي عن قبول مبهم من قرطاج للحوار وفق مبادرة المنظمة بعد خمسة اشهر من الانتظار ما دفع المنظمة الشغيلة بالتهديد الى الذهاب نحو سيناريو بديل. فهل سيادة الرئيس فعلا الحوار أم أنه مجرد “مناورة” لمزيد كسب الوقت ؟ وهل هناك شروط لإنجاح الحوار ؟ وهل هو حوار برعاية القصر ؟ وما هو دور الخارج بسفاراته في الحوار المنتظر ؟

ان الدعوة للحوار والتشديد عليها، كسبيل وحيد للخروج من المأزق السياسي الحالي، لا يجب أن تتحول الى مجرد شعار للاستهلاك الاعلامي والسياسي، بل لابد من توفير المناخات المناسبة قبل ذلك ، ولعل أولها “الهدنة الاعلامية والفايسبوكية”، فلا يمكن باي حال من الأحوال استمرار الغنوشي في الدعوة للحوار الوطني ومغازلة قصر قرطاج، و في المقابل تستمر بعض قيادات الصف الأول  لحركة النهضة  في ” التهجم” و “شيطنة” الرئيس قيس سعيد والقريبين منه، على غرار “تدوينة” رفيق عبد السلام  بمناسبة زيارة قيس سعيد لليبيا، فلابد من الانسجام في التصريحات والمواقف وتحديد الهدف منها.

وبالمناسبة تبين ان الضغط في الخطاب والتظاهر في الشارع لا ينفع في تحسين شروط التفاوض او حتى تليين موقف القصر، فهو بالعكس يزيده ” تمترسا ” و عنادا وهروبا للأمام، وهذا ما نعيشه في واقع الممارسة والخطاب السياسي الصادر من منصات قصر قرطاج.

كما ان الحوار يفترض وجود ورقة عمل تكون بمثابة أرضية لخارطة طريق تساعد الفرقاء على التسريع بالوصول لتوافقات لأن وقع الأزمة لم يعد يسمح للجميع بالمزيد من “تقعيد العود”.

و بعيدا عن “التخميرة” الجماعية، فان كل المتصدرين للمشهد الحالي حكما ومعارضة، لا يملكون لا برامج و لا حلول للإنقاذ الوطني. و ما نعيشه هو مجرد “عنتريات” للاستهلاك الاعلامي و الفيسبوكي.

لذلك فان حظوظ  الذهاب نحو حوار وطني في هذه المناخات غير متوفرة، ما يجعل السيناريو الأقرب هو مزيد تمدد حالة العجز في ادارة وتسيير البلاد ، بسبب ما سميته في اكثر من مناسبة ب “توازن الضعف” بين “المتصارعين” لا “المختلفين”، وبالتالي غياب القدرة على الحسم، في الاثناء سيطبع الشعب التونسي مع ” الميزيرية” الحالية، وما سيصاحب ذلك من تصاعد ظواهر اجتماعية جديدة مثل العنف والجريمة.

كما سيتواصل ضعف الدولة وتفككها، وتحولها الى ” كارتونات” مرتبطة ب “زبونيات” ، وشبكات مصالح في الداخل، و سيتمدد نفوذ الخارج على الطريقة اللبنانية. ، التي سبق وأن أشرت اليها في هذا المقال.

اخيرا، ان ما يجري حاليا، وخاصة في البرلمان سيزيد في قتامة المشهد، فتونس اليوم في أسوأ حالاتها، مجتمع قلق ودولة مريضة وسياسيين بلا مشروع وطني جامع، فالشأن الجاري، في تونس يفتقد للمعنى، على جميع المستويات وحيثما تولي وجهك تلاحظ ذلك.

مسجد قلق، أحزاب قلقة، مجتمع قلق ، اعلام قلق و متوتر، حالة قلق جماعية، وسلطة حاكمة بلا برنامج ومنقسمة ومصدومة، من حقيقة الاستحقاقات التي تواجهها، والتي لا تملك حلولا لها، ومعارضة احتجاجية بلا عمق جماهيري.

وسط حديث عن شيوع الفساد بمستويات فاقت كل الحدود، وهي ظاهرة تهدد بخراب العمران لأنها تفسد الاجتماع البشري، فضلا عن انها اصابت مسار الانتقال السياسي في مقتل، الذي يشهد حالة موت سريري.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP