الجديد

الدكتورة زينب التوجاني ل " التونسيون": "تونس عاشت ثورة ….والإحباط يدفع الشباب الى الانتحار"  

***  لا عدالة أجتماعية خارج المساواة في الميراث والأسلاميون صادقوا على ذلك في الدستور

تونس – التونسيون – حوار نبيل البدوي 
الدكتورة زينب التوجاني من الأصوات الأكاديمية والنسوية التي برزت في السنوات الأخيرة بمواقفها الشجاعة ومساندتها للحراك الثقافي والأجتماعي من آجل المطالبة بالمساواة في الإرث وحق الجهات الداخلية في التنمية وكانت من أبرز المساهمين في أحياء ذكرى 17 ديسمبر في مدينة سيدي بوزيد .
كيف ترى الدكتورة زينب التوجاني أستاذة الحضارة في الجامعة التونسية ما حدث قبل ثماني سنوات ؟
التونسيون التقتها في هذا الحوار
شاب آخر يموت محترقا في القصرين في نفس المنطقة التي انطلقت منها الانتفاضة التي أطاحت بالنظام السابق كيف تفسرين هذه الظاهرة ؟
إن احتراق البوعزيزي العفوي بدافع الغضب واليأس رافقته احتجاجات عفوية لم ينتظر في ذلك الوقت أحد ان تتحول إلى انتفاضة ثم إلى مطالبة تبنتها النقابات وقوى المجتمع المدني وأدت إلى إسقاط النظام في 14 جانفي.
لقد كان لاحتراقه فعل رمزي وصادم ومثل حدثا كسر الرتابة اليومية وخلق لحظة الثورة الخاطفة السريعة المفاجئة. ولا اعتقد انه بإمكان أحد اليوم ان يعيد نفس الأثر ليعبر بنفس تلك الطريقة عن حالة الاحتقان مهما كانت درجتها. فالشاب الذي صور نفسه يتكلم قبل أن ينفذ تهديده، أو قبل أن يحرقوه، لأن الحقيقة غير واضحة والفيديوهات تشكك في احداث الانتحار ومنطقها، إن هذا الشاب قد أعد خطابه، وأحضر معه ادواته واختار التوقيت وأعلن عنه وهيأ له وأوصى بأن تحرق البلاد بعده. ويدل هذا على أن الانتحار لم يكن عفويا كالمرة الأولى، وربما كان الشاب يائسا وغاضبا وربما كان يمر بلحظة مريرة جعلته يفقد الأمل ويقدم على ما فعله وربما يكون قد غرر به وقدم قربانا لحسابات دنيئة ولكن الثابت أولا أن موته لن يحدث نفس الأثر الذي أحدثه موت البوعزيزي وثانيا أن الذي يجب ان نستخلصه من إقدامه على الانتحار حرقا ومغامرته بنفسه أو تضحيته حسب ما يقول  هو أن شباب القصرين والمدن والقرى المهمشة لم يعد قابلا بالحياة والصبر على المتاعب التي تتطلّبها التنمية البطيئة بل هو مستعد للتّضحية بحياته كلّها إذا لم يحصل على الاعتراف والأمل والكرامة التي يريد. وهذه هي الرسالة التي يجب أن يفهمها المسؤولون عن وضع السياسات للبلاد.
كنت في سيدي بوزيد في ذكرى اندلاع انتفاضة 17 ديسمبر كيف عشت هذه الذكرى وماذا قرأت في وجوه الناس هناك خاصة الشباب؟
دعيت إلى مهرجان 17 ديسمبر للمشاركة في فعاليات احياء ذكرى اندلاع ثورة الحرية والكرامة، وكنت سعيدة بهذه المشاركة لدلالاتها الرمزية، تلاقيت مع فاعلين في الجهة عازمين على تغيير وجهة المدينة والتنمية الثقافية فيها رغم العراقيل التي تواجههم وهم يبادرون تطوعا لخدمة مدينتهم. في الشارع الرئيسي انتشر الشباب والأطفال والنساء رغم البرد يحتفلون ليلا حذو مجسّم يحمل شكل “البرويطة” يرمز الى عربة الخضار التي كان يبيع عليها البوعزيزي خضاره قبل ان يحرق نفسه. كانت المدينة تتجمل للاحتفاء بهذه الذكرى ولكن تبادل الأحاديث مع الشباب وحتى مع الأكبر سنا يكشف حجم الإحباط والضغط اليومي الذي يعيشونه بسبب الفقر والبطالة وانعدام مواطن الشغل. لا توجد أيضا بنية تحتية تربط القرى المجاورة بالمدينة فاضطر بعض الضيوف إلى المغادرة باكرا لضمان العودة الى بيتوهم معبرين عن سخطهم على انعدام وسائل النقل بين معتمديات سيدي بوزيد ومركزها.
إن انتفاضة 17 ديسمبر حركها منذ البداية شباب عاطل عن العمل وتشير الاحصائيات إلى أن جلّ هذا الشباب من حاملي الشهائد العليا وتخصص هذه الاحصائيات النساء بنسبة مهمة من البطالة ومن الفقر ولذا فقد بدت وجوه هؤلاء حزينة ومحبطة بسبب مرور سنوات على الحدث الذي ظنوا انه سيغير واقعهم لكنه لم يفعل وربما يتطلب التغيير وقتا طويلا وصبرا لم يعد شباب الجهة قادرين عليه ولان ضغوط العولمة جعلت هذا الشباب يتطلع الى تحقيق كرامته ووجوده ومطالبه الآن دفعة واحدة فإما ذاك وإما فإن حياته تمسي عديمة الفائدة في نظره وزائدة عن حاجته فيقايض بها او يقامر بها في مشروع من المشاريع المعروضة عليه: الإرهاب، التهريب، الاجرام، الهجرة غير الشرعية. وبذلك فان هذا اليأس يدق نواقيس الخطر وعلى المجموعة الوطنية أن تؤطر ابناءها وشبانها.
أنت من الأكاديميين الذين تحمسوا ل” الثورة ” هل ما زلت بنفس الحماس ؟ هل تعتقدين أن هناك من سرق احلام الناس ؟
إني أسمي ما حدث في تونس “ثورة” من منطلقات نظرة دينامية للتاريخ، فهذه الأحداث المتسارعة التي عصفت بنظام كان قائما على حكم الحزب الواحد وأتت بهذا المسار الانتقالي نحو الانتخابات الحرة ونحو التعددية وحرية التعبير والنشاط المدني، إن هذه الأحداث ليس لها اسم آخر في مصطلحات المؤرخين سوى “الثورة” وعلينا ان نعيد التذكير بان من الاطروحات التي سادت قبيل الثورة التونسية ما كان يعتبر ان الديمقراطية مستحيلة في بلدان إسلامية ولكن تونس امكنها الى حد الآن أن تضرب المثل على انها ممكنة ومتحققة. وهذه ثورة ليست كغيرها من الثورات التي شهدت سيلا من الدماء فقد حظيت باعتراف أممي ونالت جائزة نوبل وحققت لتونس في وقت وجيز مكاسب عدة في مستوى تحديث البنية السياسية وحتى التشريعية والقانونية، ولكن الصعوبات التي يواجهها الناس والتي كنيت عنها بانها “أحلام” هي جزء من معاناة التاريخ وحتمية الانتقال. فهل سيكون سهلا أن ننتقل من نظام إلى نظام؟؟ وهل سيكون سهلا أن نقاوم في نفس الوقت مخاطر الإسلام السياسي وتهديده بأسلمة الدولة والليبرالية المتوحشة وخطرها على الطبقة الوسطى وضعاف الحال والمؤسسات العمومية الصحة والتعليم خاصة وكذلك تهديد البنى الذكورية الكامنة في ثقافتنا والتي تشدنا أيضا الى الوراء؟
إني لا أزال اؤمن بإرادة هذا الشعب للمضي قدما في مسار البناء والتحديث ولا أزال اؤمن ان الاحلام لا يمكن سرقتها لان الفعل في التاريخ ليس هينا وليس يسيرا ولان كل فعل تاريخي تواجهه مطبات وعراقيل، واهم ما يواجه هذا المسار التحديثي الجديد هو تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية بالجهات خاصة وهو الامر الذي يتطلب إرادة حقيقية لتحقيقه وتسريعه عبر تشجيع المبادرة والاستثمار وهما لا يتحققان الا بالاستقرار الاجتماعي في حين ان هذه الجهات تشهد الكثير من الاحتقان بسبب انعدام الثقة في الحكومات المتعاقبة التي وعدت احزايها بتحقيق مشاريع ثم طال الانتظار.
المساواة في الميراث التي طرحها رئيس الجمهورية انت من بين المدافعين عنها باعتبارك ناشطة ومختصة في قراءات النص الديني هل كان لابد من هذه المعركة اليوم التي اعتبرتها بعض الأحزاب استفزازا لن يستفيد منه الا الإسلاميون ؟
إن مبادرة رئاسة الجمهورية دليل قوي على نجاح المثال التونسي وثورته ومسارها الصحيح، وهذه المبادرة استجابة لمطلب نسوي عمره أكثر من عشرين سنة منذ طالبت به الحركة النسوية في التسعينات وربما عمره أطول من ذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار ما كتبه الطاهر الحداد في الثلاثينات في مؤلفه امرأتنا في الشريعة والمجتمع. ولذلك فان مطلب المساواة في المواريث هو أولا مطلب النخبة الإصلاحية سليلة الزيتونة نفسها منذ أواخر القرن التاسع عشر وهو ثانيا مطلب النساء الفاعلات منذ مساهمتهن في استقلال البلاد وتأسيس الجمهورية واللواتي حظين بقوانين إيجابية بفضل مجلة الأحوال الشخصية وحان الآن أن يحظين ببقية حقوقهن. وثالثا فان هذه المساواة بمقتضى الدستور التونسي الذي ينص عليها تعتبر حقا دستوريا وتعتبر المبادرة تحقيقا للدستور الذي تم حوله التوافق بالإجماع واقراره واعلاؤه ففيمَ اذن تستفز الإسلاميين وقد صادقوا على هذا الدستور واقروه؟ إن معركة المساواة هي قلب رحى معركة المواطنة والتحديث والعدالة الاجتماعية وقد قلت ذلك حرفيا في مداخلتي بسيدي بوزيد لقد أكدت أنّ الذين يطالبون بالعدالة الاجتماعية لا يمكنهم ان يطالبوا بالمساواة على أساس جهوي واقتصادي ومادي ولا يؤمنوا بالمساواة على أسس إنسانية وكونية وحقوقية ولذلك فان ارتهان نجاح العدالة الاجتماعية شرطه الأساسي الايمان بالمساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والمواطنة واعني بذلك ان تكون مرجعيتنا المواثيق الدولية والكونية وان نقاوم البنية الذكورية التي تؤصل فينا “الحقرة” والاستبداد الذي قامت ضدها الثورة.
هل أنت متفائلة بمستقبل الانتقال الديمقراطي ؟
إن عثرات المسار الانتقالي لا تمنعنا من أن نرجو أن ننجح في تحقيقه، وقد حققنا إلى حد الآن خطوات مهمة في اتجاه هذا الانتقال الديمقراطي ولكن العراقيل عديدة، أهمها مسألة العدالة الانتقالية أي ملفات التعامل مع ما يسمى ضحايا النظام السابق والتي طرحت جدلا عميقا في وجهات النظر وكذلك العدالة الاجتماعية التي تضع امام الدولة تحديات هائلة بين غلقها للتشغيل من جهة وصعوبات إيجاد استثمارات في جهات لا يتوفر فيها الاستقرار الاجتماعي من جهة ثانية وعجز في الميزانية وتداين من جهة ثالثة.
إن هذا المسار تهدده قوى فساد في الداخل وقوى متوحشة في الخارج ولكن نلاحظ أن الثورة اطلقت القوى الحية المحبة للحياة وللوطن وان هذه القوى الحية تنتظم في شكل مجموعات وأحزاب ومبادرات وافراد وان في كل مدينة وكل قرية نجد مظاهر للقوى الفاعلة الجديدة المكونة أساسا من الشبان والنساء والفنانين والمبدعين وان هذه القوى تمثل امل البلاد وامل الانتقال نحو الأفضل، إنني لا املك إلا أن اثق بما قاله الشابي عن إرادة الشعب ولا املك الا ان اثق بهذا الشعب الذي كانت أولى شعاراته تطلب الحرية والكرامة ولذا فاني اعتقد أن إرادة الحياة هذه ستنتصر وكذلك دينامية التاريخ ستحملنا احببنا ام كرهنا نحو بر الأمان فتلك هي قوة التاريخ تعصف بنا أحيانا فلا نملك امامها سوى الرضوخ لحركتها الهدارة ولا شك ان تونس جديدة بصدد الولادة من رحم كل هذه الآلام العابرة. .. وكل هذه التجارب المريرة “تبقى حديث” كما تقول حكمتنا العاميّة.
 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP