الجديد

الشاذلي القليبي .. المثقف العضوي يترجل

هشام الحاجي

اختار الشاذلي القليبي أن يكون وفيا لعادته فرحل عن عالمنا بصمت و بلا ضجيج تماما كما تعود منذ إن اختار طريق العمل السياسي و الثقافي و النقابي و هو في ريعان الشباب. و بعيدا عن المرثيات الجاهزة فإن الشاذلي القليبي يعتبر بكل المقاييس شخصية استثنائية في تاريخ تونس الحديث و المعاصر.

كان متمكنا من ناصية اللغتين العربية و الفرنسية و بما انتجه المبدعون في اللغتين من أدب و فلسفة و إبداع ثقافي و لكنه لم يكن يوما من الذين يقيمون تفاضلا وهميا بين اللغتين أو يعاني من عقد تعيق الفعل و الإنجاز. كان الشاذلي القليبي مسكونا بما هو أهم و أبقى من خلال البحث عن موقع لتونس في عالم الثقافة و تحويل الثقافة إلى “خبز يومي ” للتونسي الذي اطرد الإستعمار و أنطلق في ما هو أكثر صعوبة و هو بناء مجتمع جديد .

كلفه الرئيس الحبيب بورقيبة سنة 1957 بمهمة “تونسة” الإذاعة التونسية و هو ما أنجزه بنجاح ففرضت الإذاعة التونسية نفسها وسط منافسة إذاعات تبث من الشرق و الغرب و تملك إمكانيات تفوق مرارا إمكانيات الإذاعة التونسية. و أما المهمة الكبرى للشاذلي القليبي فكانت “بعث ” وزارة الشؤون الثقافية و إدماج الثقافة في مسار بناء “الدولة الوطنية “و “الأمة التونسية ” .

ما قام به الشاذلي القليبي في هذا المجال يعتبر أمرا يصعب تكراره لا في تونس فحسب بل في العالم. فخلال أقل من عشرية من الزمن و انطلاقا من سنة 1961 وضع الشاذلي القليبي هيكلة وزارة الثقافة من الناحية الإدارية و فتح أهم “ورشات الحقل الثقافي”.

في عهده تأسست متاحف جديدة و وقع الإهتمام بالمواقع الثقافية و تأسس المعهد الوطني للتراث ليساهم في حماية المخزون الأثري و التراثي. و من خلال حرص الشاذلي القليبي وضعت من خلال مخابر قمرت و “الساتباك” نواة صناعة سينمائية تونسية. و لا يمكن الحديث عن المهرجانات الدولية دون ذكر دور الشاذلي القليبي فخلال توليه شؤون وزارة الشؤون الثقافية تأسست المهرجانات الصيفية ذات الصيت العالمي و التي جلبت إلى تونس كبار الفنانين والفنانات و انطلقت مغامرة ايام قرطاج السينمائية.

كان الشاذلي القليبي وراء إنشاء المكتبات العمومية و يذكر بعض معاصريه أنه كان يتحرك لدى الناشرين العرب و الدول الصديقة من أجل تزويد المكتبات العمومية و المكتبات المتجولة بالكتب. دور الثقافة و الشعب هي أيضا من أفكار و إنجاز الشاذلي القليبي و هو ما يعني أن الرجل قد حدد دون ضجيج و ادعاء ملامح الثقافة في تونس و كان قائدا من قادة التنوير و التحديث. و الشاذلي القليبي اشتغل لسنوات مديرا لديوان رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة في فترة شهدت صراعات أجنحة و نفوذ.

و لكن الشاذلي القليبي بما تميز به من رفعة أخلاق و إحترام لمنطق الدولة عرف كيف يحافظ على حياده و على ما اؤتمن عليه من أسرار دولة و في الوقت الذي تهافت فيه الكثيرون في السنوات الأخيرة على ذكرى الحبيب بورقيبة و محاولة الإنتساب لسيرته و مبادئه ترفع الشاذلي القليبي عن هذا الصنيع و في ذلك دليل على ما ميز الشاذلي القليبي من صرامة أخلاقية في التعامل مع الشأن العام و من تمسك بثوابث كرسها أيضا خلال توليه من 28 جوان 1979 الى3 سبتمبر 1990 الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.

حاول الشاذلي القليبي جاهدا تعصير عمل الجامعة و تحويلها إلى مؤسسة لا تعبر عن ارادات بعض الدول بل عن تطلع الشعوب العربية للتكامل و التضامن و ذلك بعيدا عن منطق تجاذبات الكواليس و كان موقفه الرافض لمعالجة أزمة الخليج الأولى سنة 1990 خارج الإطار العربي السبب الذي دفعه لتقديم استقالته من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية يوم 3 سبتمبر1990.

ترك الشاذلي القليبي  لدى من تعامل معه ذكرى إنسان أنيق في مظهره و رشيق في تدخلاته مترفع عن صغائر الأمور و حريص على التعامل مع الجميع باحترام لا يخل بسير العمل. الشاذلي القليبي ترك ايضا مقالات و كتب ناقش فيها أهم القضايا الفكرية و الثقافية دون أن يقع في الإسفاف و البحث عن البطولات الزائفة او “النميمة ” السياسية و تزوير التاريخ…رحل الشاذلي القليبي رجل البناء و العمل و المثقف العضوي تاركا أثرا ليت الكثيرين يستلهمون منه لأنه لاشيء أبقى و أهم و أكبر من صمت البناء.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP