الجديد

الشارع في مواجهة الرئيس .. “الضغط” في الداخل و “الاحراج” في الخارج .. تونس الى أين ؟

منذر بالضيافي

بعد مرور شهرين على القرارات الاستثنائية، التي أعلن عنها الرئيس سعيد، وبعد حالة من “الصدمة”، تحرك الشارع و بدأت النخب الحقوقية والسياسية، تضاعف من تحركاتها  ضد قرارات الرئيس قيس سعيد، التي اعتبرها البعض منهم بمثابة “انقلاب”.

تحركت هذه “القوى” للتظاهر في الشارع، برغم أن اللافت أنه  لم يتقدم أي حزب أو منظمة لقيادة “حراك الشارع”، برغم الحضور الطاغي والكبير للتيار الاسلامي، وتحديدا قواعد وقيادات حركة “النهضة”، كما نشطت المواقع الاعلامية، وشبكات التواصل الاجتماعي، المحسوبة على “مونبليزير” للدعاية والترويج  لوقفتى 18 و 28 سبتمبر الجاري.

الملاحظة البارزة،  ونحن نتحدث عن “تحريك الشارع”، الذي يبدوا أنه محل تردد في حسابات الاسلاميين خلال هذه المرحلة، سواء بسبب عدم القدرة على التعبأة، أو من التخوف من التورط  في أعمال “عنف” و “شغب”، تجعلهم  يخسرون  المبادرة السياسية في صراعهم مع القصر.

تردد النهضويين في اللجوء للتصعيد في الشارع، سببه خشيتهم من الدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس، المسنود بكل أجهزة و مؤسسات الدولة، وأيضا خوفهم من “التحرش” بقطاعات واسعة من المجتمع لا من أنصار الرئيس فقط.

خاصة في ظل تواصل تمدد “شعبية الرئيس” و انحسار “شعبية الجماعة”، التي تم تحميلها مسؤولية الفشل السياسي لعشرية ما بعد الثورة، وهي التي كانت العمود الفقري لكل حكومات العشرية الأخيرة، وهو ما يفسر تنامي مظاهر الرفض المجتمعي، والعزلة السياسية وفي صفوف النخب لتيار الاسلام السياسي (حركة النهضة).

كما أن خيار “تحرير المبادرة” في الشارع، و الذهاب نحو مغامرة  التعويل على الشارع، في هذا التوقيت،  وفي هذا السياق السياسي والمجتمعي يعد بمثابة، يعد انتحار سياسي وشعبي، ما جعل الاسلاميين يستعملون “ورقة الشارع” بحذر شديد، من جهة دوريتها ( مرة في الاسبوع) و من جهة عدم الدعوة لها ، وقيادتها “بوجه مكشوف” ( بعنوان حزبي)، واحتفاء شعاراتهم وأعلامهم، لصالح شعارات وأعلام وطنية، والتركيز على الدفاع على الديمقراطية.

والأغلب أن الحركة، التي تقدر جيدا حجم عزلتها المجتمعية والسياسية، تريد في هذه المرحلة، الابقاء على “حيوية الشارع”  التي تعبر عن حيوية المجتمع، لكن الشارع هو أيضا اداة للضغط .

وهنا تدرك جيدا “الجماعة” أن تجربتها مع الرئيس سعيد،  كشفت على أن الرجل لا يخضع للضغط، وبالتالي فان “ورقة” الشارع”، برأينا لن تكون وسيلة ضغط للذهاب للتفاوض والحوار، وهذا ليس واردا في ظل رفض قيس سعيد لفكرة الحوار مع الأحزاب وكل مكونات المجتمع السياسي وكذلك المدني ( المنظمات الوطنية)، واستمراره في المضي في ما عزم عليه ( بداية التبشير بمشروعه السياسي والشروع في تنزيله على الأرض)، وفي شيطنة خصومه، اذ لا يفوت الفرصة الا لاستحضار معجم حافل بكل مفردات “الشتم” و “الشيطنة” تجاههم.

وأمام توقع عدم خضوع الرئيس لضغط الشارع، فان الاصرار عليه والتمادي فيه، وربما توقع أن يأخذ أشكالا تصعيدية أخرى، لا يكون الا بغاية مزيد احراج الرئيس قيس سعيد في الخارج، ومزيد كسب “التعاطف الدولي” مع مطالب الرافضين لقرارات الرئيس، ودعوته الى التسريع بوضع تصور عاجل وفق رزنامة محددة للخروج من الحالة الاستثنائية، وهذا هو المطلب الذي عبرت عنه الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من العواصم الغربية، التي ما زالت لم تعلن “القطيعة” مع الرئيس سعيد، وما زالت “تتفهم” ما أقدم عليه، ولا تريد حشر نفسها في التفاصيل التي هي متروكة للتونسيين.

وهنا يتنزل، موقف الخارجية الامريكية منذ يومين، والذي عبرت فيه عن ” قلقها” من استمرار الاجراءات الانتقالية في تونس دون نهاية واضحة. و قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس: “نشارك الشعب التونسي هدفه المتمثل في تشكيل حكومة ديمقراطية تستجيب لاحتياجات البلاد وهي تجابه أزمات اقتصادية وصحية. ومما يبعث على قلقنا أن الإجراءات الانتقالية مستمرة دونما نهاية واضحة. على الرئيس قيس سعيد أن يعين رئيسا للوزراء لتشكيل حكومة قادرة على تلبية تلك الاحتياجات الملحة. وندعو كما يدعو عامة التونسيين الرئيس لصياغة خطة ذات جدول زمني واضح لعملية إصلاح شاملة للجميع تضمّ المجتمع المدني والأصوات السياسية المتنوعة.

وفيما يتعلق بالإجراءات التي أدت إلى ما هي عليه الأمور الآن، نرى أن العمل الأساسي المتمثل في دعم تقدم تونس على مسارها الديمقراطي هو أهم من التباحث في تسمية لهذه الأحداث، وهذا ما نركز عليه”.

لكن الجديد، وبعيدا عن “المفردات الدبلوماسية”، هو وجود “تحول” في الموقف الاعلامي الغربي، الذي انتقل من وصف ما حدث في تونس ب coup de force الى “انحراف استبدادي” ( افتتاحية “لوموند” الفرنسية أمس الجمعة)، اذ اعتبرت الصحيفة الفرنسية الأكثر تأثيرا على صناع القرار في باريس، ما اقدم عليه الرئيس قيس سعيد بعد الأمر الرئاسي ل 22 سبتمبر الجاري، هو “زج بتونس في مغامرة حكم فردي واستأثر بكل السلط وما حدث كارثة ليس لتونس فقط بل للعالم العربي”

و تطرقت صحيفة “لوموند” الفرنسية في افتتاحية عددها الأخير للأزمة السياسية التي تعبش على وقعها تونس بعد تفعيل الرئيس قيس سعيد الفصل 80 من الدستور والحاق اجراءات يوم 25 جويلية بأمر رئاسي يوم 22 سبتمبر حول تنظيم مؤقت جديد للسلط احتكر معه السلطتين التشريعية والتنفيذية معتبرة ان تمشي سعيّد يمثل “انحرافا استبداديا”.

بعد شهرين، من الاعلان عن القرارات الرئاسية، يخيم على المشهد التونسي حالة من “الغموض” و “الترقب”، فالجميع في وضعية انتظار، انتظار ما سيقرر الرئيس الذي يمسك بيده كل السلطات، وبرغم “الضغط” الكبير من الداخل ومن الخارج، فان الرئيس “ليس في حيرة من أمره”، وفق تعبيره، في حين أن غالبية شعبه والمجتمع الدولي في “حالة قلق”.

ويبقى السؤال الكبير: ما هو مصير قرارات 25 جويلية والأمر الرئاسي 22 سبتمبر في ظل تباين الخيارات حد التناقض بين الرئيس سعيد، و “جبهة داخلية” سياسية ومجتمعية وحقوقية في طور التشكل، بدأت تجد “مساندة” و”تفهم” من الخارج ؟

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP