الجديد

منذر بالضيافي

الطبوبي يمسك العصا من الوسط .. “يساند” قيس سعيد و لا “يغضب” الغنوشي

منذر بالضيافي

وصف الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي اللقاء الذي جمعه صحبة عدد من أعضاء المكتب التنفيذي برئيس الجمهورية قيس سعيّد اليوم الخميس 14 ماي 2020 بقصر قرطاج ب “التاريخي”، مشددا على أن “الاتحاد يساند الرئيس ويرفض ضرب رموز الدولة”. كما أعلن  ايضا على “التمسك بضرورة احترام الشرعية ودولة القانون والمؤسسات”، وهو بذلك ترك باب الصلح مع الغنوشي وجماعته، في مناخ عام يفرض تأجيل وترحيل الخلافات. و لم يفت الطبوبي التأكيد من خلال لقاء قرطاج اليوم على الدور المركزي للمنظمة الشغيلة في المسار الوطني اليوم وغدا.

لا يمكن فهم تصريح الطبوبي ، الذي ورد بمفردات ومنهجية وحامل لموقف مما يجري خارج السياق السياسي الحالي، الذي يعرف “احتقان” في العلاقة بين قصري قرطاج وباردو، وتململ داخل مكونات الائتلاف الحاكم، وكذلك “حرب باردة” بين النهضة والمنظمة الشغيلية، خاصة بعد مساندة البرلمان ورئيسه “المطلقة”، للنائب عن كتلة ائتلاف الكرامة محمد العفاس، الذي اتهم نقابيين بالاعتداء عليه في صفاقس، قضية سرعان ما تطورت لإيقاف نقابيين واحالتهم على العدالة،  وهو ما رفضه الاتحاد وشرع في اعداد العدة ل “الثأر” لمنظوريه، ويذكر أن الرئيس سعيد نفسه، قد سبق له وأن “ندد” بحادثة الاعتداء على النائب.

موقف الطبوبي “المساند” للرئيس بوصفه  أحد “رموز الدولة”، وذلك على خلفية التصريحات الأخيرة لعدد من النواب، من الجبهة البرلمانية المتكونة من “ترويكا برلمانية” (النهضة، ائتلاف الكرامة وقلب تونس)،  التي  رأت أن خطاب الرئيس في قبلي تضمن “تحريض” على البرلمان وعلى “الشرعية”، وذلك في ما اعتبرته  “الترويكا البرلمانية” يرتقي لالتقاء موضوعي مع الدعوات الافتراضية الأخيرة، المطالبة بتنظيم اعتصام باردو2 ، الذي من أهم مطالبه حل مجلس نواب الشعب.

برغم تأكيد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل السيد نورالدين الطبوبي في تصريحه اثر اللقاء مع الرئيس قيس سعيد على “التمسك بضرورة احترام الشرعية ودولة القانون والمؤسسات”، فان السياق والمناخ العام في البلاد الذي تعيشه البلاد، جعل “موقف” المنظمة الشغيلة يفهم على كونه  “اصطفاف” مع الرئيس ضد المعارضين له، الذين كانت لهم تصريحات ومواقف “شديدة النقد” لخطاب سعيد في قبلي، ونعني هنا حركة النهضة وحلفائها وهم ائتلاف الكرامة وحزب “قلب تونس”.

وهو موقف يرجعه أصحابه الى العلاقة المتوترة بين الاتحاد والحركة الاسلامية ( النهضة وائتلاف الكرامة)، التي عرفت خلال مرحلة ما بعد الثورة حالة من المد والجزر او من “التبريد” و “التسخين”، وعادت لتصدر الواجهة بعد حادثة النائب العفاس في صفاقس، التي أتهم فيها نقابيين بالاعتداء عليه بالعنف.

حادثة  تطورت فصولها واخذت منعرجا أحرج المركزية النقابية ، بعد ايقاف عدد من النقابيين على ذمة القضية، التي يبدو أنها ستعرف أطوارا جديدة، بعد رفض قيادة المنظمة الشغيلة، واتهامها  لرئيس النهضة والبرلمان راشد الغنوشي بأنه كان وراء “تحريك الملف”.

وقد زاد منسوب “التوتر” بين الطرفين، بعد توجيه اتهامات بالفساد لنقابيين من قبل وزير النقل النهضاوي أنور معروف، وتلويح ائتلاف الكرامة بتقديم مبادرة تشريعية قصد تكريس التعددية النقابية.

هذه العلاقة المتوترة بين القيادة النقابية والأحزاب الاسلامية، رمت بظلالها على لقاء اليوم مع رئيس الجمهورية، وأظهرت القيادة النقابية كما لو أنها تطلب “الدعم” أو “تتظلم” لساكن قرطاج، وهو ما أكده توصيف الطبوبي اللقاء ب “التاريخي”، لكن  لم يرد لا في تصريحات الطبوبي ولا في بيان الرئاسة ما يؤكد هذا البعد “التاريخي” للقاء، الا اعلان “المساندة” للرئيس أمام الاعتداءات على “رموز الدولة”، وهو موقف مهم ومبدئي، لكن كان يمكن أن يعبر عنه الاتحاد في بيان دون التنقل بوفد قيادي كبير لقصر قرطاج.

في المقابل، لا يجب أن يغفل أي متابع موضوعي  عن كون اللقاء من حيث “الشكل” ( وفد قيادي كبير من أعضاء المكتب التنفيذي) و “المضمون” الذي اتصل بوضع البلاد في مرحلة ما بعد الكورونا، الذي سيكون للاتحاد موقع ومكانة مركزية في التعاطي معه، في شراكة مع السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة)، وهو ما اشار اليه بيان الرئاسة الذي أكد على أن اللقاء “تناول  الوضع العام بالبلاد وخاصة الأوضاع الاجتماعية في علاقة بجائحة كورونا وتأثيراتها على عديد الفئات”. كما نقل بيان الرئاسة عن نورالدين الطبوبي أنه اعتبر “هذا اللقاء يأتي، كذلك، في ظل الواقع السياسي المتشنج الذي يلقي بتداعياته على الوضع الاجتماعي”.

حرص الطبوبي، على مسك العصا من الوسط كما يقال، و جاء تصريحه متوازنا و مدركا لطبيعة الظرف السياسي،  والاجتماعي العام في البلاد، لذلك لا يمكن المجازفة بالقول أن الاتحاد بصدد البحث عن تموقع أو اصطفاف، أوأنه بصدد التخطيط للاستفادة من مناخ التوتر والتناقضات الذي يطبع العلاقة بين أجنحة السلطة، خاصة بين قرطاج وباردو، وذلك بالنظر الى “المكانة” التاريخية والمركزية للمنظمة الشغيلة في الحياة السياسية والاجتماعية، التي تحرص دوما على استقلالية قرارها وسياساتها.

فالاتحاد العام التونسي للشغل منظمة ذات بعد وطني، وان كانت تشتغل في الجانب الاجتماعي، الا أن دورها السياسي ثابت وأساسي،  في كافة أطوار مراحل تاريخ الحياة السياسية في تونس منذ أربعينات القرن الماضي (تأسيس المنظمة)،  واستمر هذا الدور الوطني مع كل الأنظمة السياسية، التي تعاقبت على حكم تونس.

ويتوقع أن يزداد ويتمدد هذا الدور خلال المرحلة المقبلة، بالنظر الى طبيعة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المرتقبة، بعد حالة الركود التي ضربت الاقتصاد الوطني، وكذلك بسبب تنامي حالة التجاذبات السياسية والايديولوجية، التي سيكون لها تأثير كبير على نمط حياة التونسيين وعلى الاستقرار في البلاد، ستجعل المنظمة الشغيلة والعمل النقابي عموما أمام اختبار كبير.

فكيف ستتفاعل المنظمة مع مرحلة ما بعد الكورونا، التي ستفرض واقعا اجتماعيا جديدا، وخاصة علاقات شغلية جديدة، وتطورا في مفهوم الشغل الذي سيكون مرتبطا أكثر بالرقمنة، وهو ما  سيفرض “مراجعات” على العمل النقابي،  حتى يكون قادرا على مواكبة وضع مستجد فرضه الوباء المستجد؟.

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP