الجديد

الظرف الاقتصادي .. انتكاسات تنتظرنا !

عماد بن عبد الله السديري

في ثقافتنا الشعبية التونسية، يؤمن معظم التونسيين والتونسيات أن التحكم في المستقبل أمر شبه مستحيل تقريبا. لذلك فإن أغلبنا يكتفي بالدعاء والتضرّع ليلا لنيل ما يريد أو النوم بأجنحة مكسورة محمّلة بالكثير والكثير من الأحلام المعلقة إلى أجل غير مسمى. فالمستقبل في عقول معظم التونسيين والتونسيات، بما في ذلك النخب السياسية، يلوح دوما دهليزا مظلما ومن المستحيل رؤية ما فيه بشكل دقيق. وهي طبعا ثقافة قاصرة وغير مواكبة لما وصله الإنسان من نضج وذكاء وتقدم وقوة في هذا العصر.

لا يوجد، حقيقةً، أي دهليز مظلم أو طريق معتم ينتظرنا في السنوات القادمة. فملامح هذا المستقبل تبدو جلية منذ الآن، بل عمليا منذ سنوات. ما نحتاج فعله لفهم ما فيه يتمثل بالأساس في تحليل الحركة المستقبلية لبعض المؤشرات التنموية الأساسية وذلك بالاعتماد على أدائنا السابق والحالي، وتحديد الانحراف المعياري المناسب (Standard Deviation)، وهي منهجية علمية معتمدة على نطاق موسع وتمكّن من التعرف على أفضل أو أتعس السيناريوهات.

كما يمكننا، بشكل أيسر وأقل تعقيدا، الرجوع إلى بعض الأطر الاستشرافية الجيدة لرؤية هذا المستقبل وفهم ما فيه بشكل دقيق إلى حد بعيد. ولعل أفضل المؤشرات الاقتصادية التي ينبغي تحليلها وتحديد وجهتها المستقبلية هي تلك المرتبطة بالإنتاجية والثروة والتنافسية.

أما أبرز الأطر المرجعية التي ينبغي أن نعود إليها بشكل مستمر لإدراك ما ينتظرنا خلال السنوات القادمة، فهي تلك التقارير الدورية التي تصدر عن صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و البنك الأوروبي لإعادة الإعمار، إلخ، وذلك لما فيها من بيانات وتوقعات دقيقة ترسم بشكل دوري صورة واضحة عن مستقبل العالم بأسره.

وبتحليل بعض البيانات التنموية الأساسية المتوفرة حاليا والرجوع إلى توقعات بعض الجهات الدولية المتخصصة يتبيّن، للأسف الشديد، أن المستقبل في تونس، خاصة خلال الأعوام 2023 و2024 و2025 و2026 و2027، سيكون صعبا جدا .فلماذا أؤكد وأصر على رسم هذه الصورة الغير متفائلة   لمستقبلنا خلال السنوات القادمة؟

1/

أولا، لم تطرح الحكومة الحالية أية حلول تونسية جادة لإنقاذ بلادنا من الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي والتربوي والبشري المتأزم جدا. بل لقد اكتفت بشكل صادم بما اقترحه صندوق النقد الدولي من حلول مقترحة للشعب التونسي. وغياب الحلول الوطنية التي تثمّن الفرص التنموية الكبيرة في بلادنا كان ولايزال أحد أهم الأسباب التي تؤدي بشكل مستمر إلى استدامة نكساتنا الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبشرية.

2/

ثانيا، بحسب السيناريو المتفائل الذي يقترحه صندوق النقد الدولي، في آخر تقاريره التحليلية والتشخيصية بشأن الوضع في تونس، فإن أقصى ما يمكننا فعله في الأعوام القادمة هو تجنب الإفلاس. فما ستسعى إليه الحكومة التونسية بالشراكة مع بعض الجهات الدولية المانحة لن يتجاوز محاولة تجنب الإفلاس لا غير. وهو ما يعني أن أي توقع بتحسن الظروف المعيشية للشعب التونسي أو تطوير البنية التحتية أو الخدمات الصحية أو الإسكانية لن يتحقق على أرض الواقع. بل إن ما ينتظر جزء هام من الشعب التونسي هو عكس هذا تماما..

3/

ثالثا، بحسب كل من الحكومة التونسية وصندوق النقد الدولي، على نحو خاص، فإن نسب النمو السنوي ستتراوح بين 2% و3% في أفضل الحالات خلال الأعوام القادمة، وهي نسب ضعيفة جدا سترسخ، شئنا أم أبينا، فقر الشعب التونسي على المدى المنظور. فالشعب الذي تتوقع حكومته أنه لن يطور قدراته الإنتاجية والتنافسية هو شعب يتوجه نحو المزيد من المعاناة لا غير.

4/

رابعا، إن القبول المبدئي بتحقيق بلادنا لنسب نمو اقتصادي تتراوح بين 2% و3% يعني آليا أن الاقتصاد التونسي سيبقى صغيرا وضعيفا. كما يعني أن الدولة التونسية ستستمر في ضعفها وهشاشتها. وهو أمر مؤلم وكان بالإمكان تجنبه.

5/

خامسا، سيؤثر استمرار ضعف الاقتصاد التونسي على المكانة الإقليمية والدولية التي ستحظى بها بلادنا في المنطقة والعالم خلال السنوات القادمة. فبدون اقتصاد كبير (من حيث الحجم) وقدرات إنتاجية وتنافسية عالية ستبقى تونس دولة هامشية ثانوية بين جيرانها وفي نظر الأمم الأخرى. وهو وضع غير لائق قد عشناه منذ سنوات؛ لكنه، للأسف الشديد، سيستمر وسيتفاقم خلال الأعوام القادمة.

6/

سادسا، لن تصبح تونس دولة غنية خلال الأعوام القادمة. وكل من يعدنا بالثروة على المدى القريب أو المتوسط، وبحسب الحلول والتصورات الحالية، فهو مخطىء لا محالة. فبالاعتماد على العتبة التي يضعها البنك الدولي بشكل دوري لتصنيف دولة ما ضمن فئة الدول ذات الدخل المرتفع، يتبيّن أننا مازلنا وسنبقى بعيدين جدا جدا عن هذه العتبة خلال الأعوام القادمة.

فنصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في تونس قد بلغ حوالي 3630 دولار أمريكي في العام 2021. وليصبح الشعب التونسي شعبا ثريا بحسب المعايير الدولية، ينبغي أن يرتفع هذا المؤشر من 3630 دولار أمريكي حاليا إلى 13205 دولار أمريكي على الأقل، بحسب الشروط الجديدة التي اعتمدها البنك الدولي بداية من شهر جويلية 2022.

7/

سابعا، بحسب نسب التضخم التي يتوقعها صندوق النقد الدولي خلال الأعوام القادمة، وبحسب برنامج الاتفاق مع الحكومة التونسية، وبخاصة التوجه نحو الرفع التدريجي للدعم الذي توفره الدولة لبعض المواد الاستهلاكية الأساسية مثل الخبز والعجين والسكر والزيت والبنزين، فإن أكبر صدمة معيشية ستضرب الشعب التونسي ستحدث بداية من العام 2023. وهو معطى حساس جدا وكان ينبغي أن نتعامل معه بالجدية الكافية والمسؤولية اللازمة.

8/

ثامنا، تعاني تونس من إخلالات خطيرة في المؤشرات الاقتصادية الكبرى (Macroeconomic indicators)؛ والسبب الأساسي يعود إلى عدم كفاءة الحكومات المتعاقبة وعجزها الذهني والمعرفي والبحثي عن طرح حلول ناجعة وفعالة لتحسين هذه المؤشرات.

والمؤكد أن هذ الخلل، بحسب أكثر من جهة دولية، وبالرجوع إلى الحلول التي طرحتها الحكومة الحالية، سيستمر خلال الأعوام القادمة. وعليه، ما هو متوقع جدا، في ظل ارتفاع نسب التضخم واستمرار أزمة التداين الخارجي وارتفاع العجز في الميزانية، أن تضعف الدولة أكثر وأن تسوء الأوضاع المعيشية للشعب التونسي وبخاصة فئة الموظفين والعمال في جميع القطاعات.

9/

تاسعا، سيقترن الفقر الاقتصادي والتنموي المتوقع في تونس بفقر بشري ومعرفي وتربوي مؤكد في السنوات القادمة. فتونس إلى اليوم من الدول التي لا تحترم، عمليا، العلم ولا تقدره ولا تهتم به، بحسب ما توثقه وتؤكده بشكل مستمر العديد من التقارير والبيانات ذات الصلة.

10/

عاشرا، في ظل التوتر السياسي الحالي الذي يعصف ببلادنا، ونظرا للمقاربات المتخلفة التي تعتمدها نخبنا السياسية في تسيير شؤون الدولة أو إدارة الخلاف السياسي، واعتبارا للانزلاقات الاجتماعية المحتملة جدا خلال السنوات القادمة، بسبب تجميد الأجور ورفع الدعم واستمرار أزمة البطالة، وديمومة الشعور بالإحباط في تونس، وتقديرا للآثار السلبية المتزايدة للأزمة الصحية والاقتصادية والجيوإستراتيجية التي تعصف بالعالم وبخاصة الدول النامية، فإن الخيارات السياسية الحالية وما نتج عنها من حلول اقتصادية ومالية وتنموية تبقى دون المأمول، من المنطقي جدا ألا تؤدي إلا إلى المزيد من التوترات السياسية الإضافية؛ وهو توقع مخيف لما ستكون عليه الدولة من ضعف ولما قد ينجر عنه من مشاكل تخص قدرة بلادنا على تسديد ديونها الخارجية على نحو خاص.

ومن المهم دوما أن نتذكر ونُذكّر أن تونس دولة متوسطية محاطة بأرقى الأمم والحضارات التي أنجبتها البشرية. وكان يفترض أن تكون، مثلما كانت ذات يوم، أمة وحضارة راقية وناجحة وملهمة على جميع الأصعدة.

لقد فشلنا جميعنا، بكل مرارة، في إنقاذ تونس وتمكينها من اعتلاء المكانة الإقليمية والدولية التي تستحقها. والمؤكد أنه إذا استمرت الأوضاع في بلادنا على حالها، فإن الأجيال الحالية ستورّث قطعا فشلها ومشاكلها وإخفاقاتها للأجيال القادمة.

إننا، باختصار شديد، نتحمّل المسؤولية الأخلاقية الكاملة عما سيصيب الأجيال القادمة من أطفالنا وشبابنا من انتكاسات تنموية خطيرة، تبدو، في واقع الأمر، شبه مؤكدة ما لم نغيّر من أنفسنا بالسرعة اللازمة.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP