الجديد

العودة السياسيّة : بين “شعبويّة” قيس سعيد و”غطرسة” عبير ؟

 

شعبان العبيدي

انقضت السنّة الإدارية والبرلمانية والسياسية خلال الصائفة على تعمّق الأزمة السياسية في كلّ تجلياتها، أزمة رئاسية احتدت مظاهرها بخيبة التكليف الأوّل ومناورة قيس سعيد بتكليف جديد لرئاسة الحكومة فاجأ به الأحزاب والفضاء السياسي ثمّ حاول الانقلاب عليه وعرقلته، وأزمة برلمانية حادّة كانت اخر فصولها محاولة سحب الثقة من رئيس البرلمان وزعيم النهضة راشد الغنوشي، وهي أزمة اتخذت كلّ أشكال الفوضى والصراع من مواجهات واعتصامات للدستوري الحرّ وملاسنات حزبية، ساهمت كلها في توتير الوضع العام    داخل قبة باردو ، و تجاوزت ذلك الى تعميق الخوف من المجهول لدى عامّة التونسيين.

كل الترقّب يدور الان حول كيفية العودة في السنة السياسية الجديدة، هل تخفت حدّة الصّراع بعد تشكيل حكومة المشيشي وتوليها مهامها؟ هل تراجع الرئاسة مواقفها وخياراتها وخطاباتها القائمة على التخوين والتوعد ومواصلة النفخ في  خطاب شعبوي يتوقع أن يرتد على صاحبه؟ هل تدرك الأحزاب حقيقة الوضع المخيف للبلاد وتقوم بعملية مراجعة وتقدير للصراعات وطيّ صفحة العداءات الأيديولوجية والتراشق بالخطابات القائمة على الاتهامات المتبادلة؟

فعلا هذه الأسئلة التي يطرحها التونسي ومختلف الفئات مع أملهم في الخروج من هذا الوضع السياسيّ المتردّي و حالة الصراع بين  السلطات الثلاث، وأن توفّر محيطا سياسيا مناسبا للعمل الحكومي ومواجهة أزمات البلاد خاصّة مع عودة وباء كورونا في موجته الثانية وتفاقم المخاوف؟.

لكن، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد عادت الحياة السياسيّة لتقدّم مشهدا أمعن في التأزم والصّراع والتحالفات “المريبة”، ابتدأت بهذا التقارب الحزبيّ الثلاثي بين “النهضة” و”قلب تونس” و”ائتلاف الكرامة”، كحزام سياسيّ وبرلماني ل “حكومة الرئيس”، ومن أجل  سحب البساط من الرئيس ( ساكن قرطاج)  ودعم “صاحب القصبة”  الذي بات يبحث عن سند حزبيّ وبرلماني خاصة،  بعد أن كاد يوقع به “الإخشيدي” وينقلب عليه قبل أن يبدأ.

ولا شكّ أنّ هذا الائتلاف الجديد لا يقوم على مجرّد تقارب آني وعاطفي بل من الأكيد أنّه بني على خيارات ووعود والتزامات قد تنكشف مع الأيّام القادمة.

في الوقت الذي اختار فيه التيار وحركة الشعب الجلوس على ربوة المعارضة ورفض دعم حكومة المشيشي، وهو ما يؤهّل السّنة السياسية و البرلمانية الجديدة لمواجهات وصراعات وتصفية حسابات وتراشق بالملفات والتّهم سيرا على عادة الحوار المأزوم في باردو ( البرلمان ) وعملا بمبدأ “عليّ وعلى أعدائي”.

كما يبدو أيضا أنّ السّاحة السياسية في مفتتح هذه السنة قد حملت في يافطتها الكبرى مشهدين يتقاسمانها: شعبوية متواصلة من طرف قيس سعيد وفي الجهة الأخرى “عربدة ” متصاعدة لرئيسة الحزب الدستوري الحرّ، الّتي بدأت تعدّ العدّة إعلاميا وحركيا من خلال جولاتها في الجهات ولقاءاتها وما تعرّضت له أحيانا من رفض لحضورها إلى سنة برلمانية ساخنة خاصّة بعد ما قدّمته لها استطلاعات الرّأي من دعم لمواصلة تحديد اتّجاه معركتها ضدّ إخوان حركة النّهضة وتهديدها بإقصائهم من المشهد السياسيّ واصفة  إياهم بمخرّبي الأوطان وتوعّدتهم في منشور على صفحتها قائلة (  انتظرونا … سنزلزل الأرض تحت أقدام مخرّبي الأوطان وستنتصر تونس) خاصّة بعد العمليّة الإرهابيّة التي جدّت مؤخرا بسوسة.

إضافة إلى ما تعتزم تقديمه من مشاريع قوانين للبرلمان وما عبّرت عنه من موقفها من الحكومة وبعض وزرائها الذين طالبت رئيس الحكومة بتغييرهم، وهو ما يجعل الحكومة من جهة والنهضة والائتلاف الجديد من جهة ثانية في مرمى نيرانها المعدّة للسنة البرلمانية الجديدة.

هكذا تتبدّى لنا السّنة السياسية الجديدة مشحونة بخطيّن من الشعبوية الآخذة في التعاظم والتمدّد وتصاعد خطابها مع ساكن قصر قرطاج،  وخط من العربدة السياسية الحالمة باستعادة النظام القديم في أكثر صوره سوءا.

وهو ما ينذر بمزيد تفاقم الوضع السياسي، وتأزّمه ممّا سيضع مزيدا من العقبات أمام حكومة المشيشي، في وضع كارثي تمرّ به البلاد، أمام تفاقم العجز المالي واستفحال نسبة المديونية والانتشار المخيف لفيروس كورونا ، الذي بات يهدّد بانفجار الوضع الصحيّ وخروج الأمور عن السيطرة.

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP