الجديد

الفيلسوف الفرنسي ريجيس ديبراي: “لسنا في حرب مع الكورونا .. انها مأساة عبثية بلا معنى”

*** الفيلسوف الفرنسي ريجيس ديبراي: “لسنا في حرب مع الكورونا .. انها مأساة عبثية بلا معنى”

*** عند الأزمة يجنح السياسي إلى الاختباء وراء مواقف العارفين (العلماء)

*** العالم يتحدث عما يحدث، والسياسي يقول ما يجب فعله، و كلاهما غير منفصلين، الفيلسوف عليه أن يكون لا شعبيا إذا أراد أن يكون فيلسوفا جيدا، في حين أن السياسي اللاشعبي هو سياسي سيئ

*** لقد كان غريبا، ان نرى السلطة التنفيذية، على شاشات التلفاز، مختبئة وراء السلطة العلمية كأنها تختبئ تحت “مطرية”

*** ما ألاحظه هو دمقرطة حق إبداء الرأي للأفراد في المجتمعات، و قد تضاعف ذلك بأجهزة الهاتف الذكية و أجهزة الكومبيوتر

*** ان الأمر  إباحي جدا، الوباء يقوم بالتعرية، لا يُمكننا الغشّ بتاتا، أن الملوك صاروا عُراة

*** خطأ الحداثة يكمن في اعتقادها ان التصورات الموغلة في القدم قد زالت هذا خاطئ لان القديم ليس الفاسد بل المكبوت

*** ستتسارع وتيرة الرقمنة و سيتم اختزال كل نواحي الحياة في شاشة

 

تعريب و اقتباس المهدي عبد الجواد

في كلام، مختلف عن السائد والمتداول، في الاعلام تكلم الفيلسوف الفرنسي، عن أثر الأزمة التي دخلتها الانسانية، جراء انتشار وباء الكورونا فيروس (كوفيد-19). مشيرا الى أنه:  “عند الأزمة يدرس الفلاسفة الطريقة التي تُعيد فيها الأوبئة مساءلة علاقات السلطة بالعلماء. أما السياسي فيجنح عادة، عندما يكون محل مساءلة، إلى الاختباء وراء مواقف العارفين (العلماء)”. ننشر في ما يلي لحوار الفيلسوف ديبراي، في جريدة Le Journal du Dimanche، في عددها الصادر يوم 3 ماي الجاري.

*** دفعت هذه الأزمة إلى محو الحدود الفاصلة بين السياسة و العلم و الفلسفة ؟

ليست لهذه المجالات الثلاث نفس الرّهانات. العالم يتحدث عما يحدث، والسياسي يقول ما يجب فعله، و كلاهما غير منفصلين. أما الفيلسوف فيبحث عن معرفة علّة ما هو موجود، و هي ما لا نتصور وجوده أصلا. و هو بذلك، يواجه و يثير الإزعاج، أنه صوت كريه، لقد حُكم على سقراط بالموت. ليس الشكر والاعتراف ضروريان للفيلسوف، ولكن عليه أن يكون لا شعبيا إذا أراد أن يكون فيلسوفا جيدا، في حين أن السياسي اللاشعبي هو سياسي سيئ. و من الواضح أنه ليس لهما نفس المهنة.

*** اذا كان لكم الاختيار، انتم تفضلون الحاكم الفيلسوف على السياسي الخبير، أليس كذلك؟

يثير الحاكم الفيلسوف دائما القلق. كان ستالين أحدهم، ننسى ذلك كثيرا، و ماو كان أكثر منه. و لهذا السبب تعلقت أعين الكثير من فلاسفتنا بهما كقائدين ملهمين، و كزميلين(لهمم) تمكنا من النجاح. سنبقى لائكيين، من أجل الفصل بين السلطات. لنمنح السكينة للعالـــــِم، لأنه هو الذي يجعل الأشياء تتقدم. لنترك للفيلسوف مهمة إزعاج العالَـــم فذلك أمر مثير، و لنطلب من السياسيين أن يخففوا من ارتكاب الشرور ما أمكن. وهذا لا يحول دون تبادل المعلومة و التحاور والإنصات إلى بعضنا البعض، و لكن مع احترام حدود الأمان الفاصلة بيننا.

 

*** منذ بداية الأزمة (انتشار وباء الكورونا)، نلاحظ الصعوبة التي واجهها السياسي، في حسن استغلال المعارف التي يتملكها العالـــِم؟

هذه المعرفة ذات صلة (بالوباء)، بل هي ضرورية. و لكن ليس للخبير الكلمة الحاسمة. فالمساعدة على أخذ القرار ليست أخد القرار نفسه. لقد كان غريبا، ان نرى السلطة التنفيذية، على شاشات التلفاز، مختبئة وراء السلطة العلمية كأنها تختبئ تحت “مطرية”. صحيح أنه يجب ان يكون ثمة دائما من هو أعلى شأنا منه حتى يُمكن الإنصات إليه جيدا. “كل السلطة للإله” قال القديس بطرس. كل سلطة تصدر عن إله، أو من الجمهورية، من البروليتاريا او من التاريخ. تكلمت الجمهورية بلسان كليمنصو، و فرنسا بلسان ديغول. و ما ان تزول هذه المتعاليات، لا يبقى الاّ العلم، علة و تفسيرا. المشكل هو أن العلم التجريبي هو من جهة تعريفه تجريبي، مليء بالتناقضات و الاحتمالية….

*** ما الذي بقي من عناصر قوة للديمقراطية في مواجهة الأنظمة الشمولية؟

على علماء السياسة الإجابة على ذلك. و لكن ما ألاحظه هو دمقرطة حق إبداء الرأي للأفراد في المجتمعات، و قد تضاعف ذلك بأجهزة الهاتف الذكية و أجهزة الكومبيوتر. لهذا الأمر ايجابيات و سلبيات أيضا. الفيروس يقتل أصدقاء لنا…. كما أنه يُحرّر الآخرين في الكلام… سنرى كُتبا تُجمّع رسائل الحجر و مذكرات فيها الجيّد و فيها الرديء، و سيكون ثمة فرز…يجب ان تكون عندنا ثقة في كون ذلك يستحق العناء.

*** ألا تقتل كثرة الكلام الكلامم؟

كلام السلطة الرسمية كان سيئا، تحسّن قليلا، ولكن علينا الاعتراف بكوننا كنّا تائهين… من يتحمّل المسؤولية؟ لقد كان على المسؤولين تعويض عزلتهم الراجعة لغياب المثُل العليا عندهم، بالحديث الناعم… يكمن الإشكال في اعتقادهم بإمكانية تعويض ذلك(غياب القيم) عبر إحكام الاتصال و الخطاب الوجداني، لكنهم يزدادون غرقا و يفقدون ثقتنا تماما. عليهم ان يكونوا حذرين فــ “عندما تتوقف الشعوب على الاحترام، فإنها تمتنع على الطاعة” مثلما قال ريفارول.

*** أنت قاس مع حُكّامنا

لا أسمح لنفسي بذلك. فإننا لا نطلق الرصاص على عازف البيانو إذا لم يكن ثمة نوته مسبقة، و نعرف ان عليه الارتجال دائما. أنا أشفق عليهم…..خارطة الطريق السياسية الجديدة، أن تتحرك و كأنك لا تعرف، لا من و لا متى أو “أن توهم بذلك”. على البائس أن يلعب الكوميديا، حتى إن تحول الأمر إلى مأساة. ليس الأمر سهلا، لأنه يتطلب شجاعة تستحق درجة من الاحترام.

*** بأي معنى يُوقظ هذا الوباء معتقدات و تصورات بالية خفية في مجتمعنا؟

ان الأمر  إباحي جدا، الوباء يقوم بالتعرية، لا يُمكننا الغشّ بتاتا، أن الملوك صاروا عُراة. نقص الأجهزة الحياتية، كالكمامات مثلا في مستوى الدول، يدفعنا للاعتقاد أننا في حُلم… و الحال ان الحُلم يكمن في كوننا كنا دائما نعيش وهم وجود دولة تُخطّطُ و تحمي….

كل أزمة كبيرة أو حرب أو وباء أو مجاعة تخلق جبالا من الأكاذيب المفيدة. ننسى الدلالة المزدوجة للكلمة الإغريقية (arkhê) ، إذ تعني “البداية” كما تعني “القيادة”….

عند الأزمة، فإن القيادة تعود لذوي الأصل الاجتماعي و لأصحاب الثروات… كل شخص يهتم بخاصة نفسه. يمكنكم قراءة التاريخ، في الطاعون الأسود سنة 1347، حيث ضرب الطاعون، الأثرياء الذين هربوا الى الأرياف، قبل كل الفقراء الذين مكثوا في المُدن. توقفت الأشغال لنقص اليد العاملة، مع أزمة في التزويد، و لذلك تمّ البحث على كبش فداء…و عند نهاية الوباء انطلقت الاحتجاجات و التمرد. كان يجب دائما ان يكون الوباء رسالة ما.

في الملك أوديب، أرسل أبولو الطاعون إلى طيبه، في القرون الوسطى أرسل الله الطاعون لعقاب البشر على خطاياهم. اليوم نحن نقول إنها رسالة من “سيدتنا الطبيعة” حتى تُذكرنا بواجباتنا البيئية. إمام من المسلمين يتحدث أيضا على علامة ربانية. …نحن في النهاية ننال ما نستحق من عصر الى آخر.

خطأ الحداثة يكمن في اعتقادها ان التصورات الموغلة في القدم قد زالت. هذا خاطئ لان القديم ليس الفاسد بل المكبوت. ليس ما بلي بل هي الجوهر، أنه قبل البارحة بالنسبة لما بعد الغد.

ما بعد الحداثة أمر واضح، سيكون (عودة) التصورات/ المعتقدات العتيقة الشرسة. ولا أعرف ان كان الأمر جيدا أم لا.

*** تحدثتم على الحرب، فهل نحن في حرب مثلما أكد ذلك إمانويل ماكرون في خطابه الأول؟

قطعا لا. فعلاوة على كونه ليس كليمنصو الذي كان يُريد محاربة الألمان، فإن الاستعارة سيئة. لكنها مريحة للرؤساء الذين يحلمون بهنري الرابع على حصانه الأبيض، خاصة منهم الذين لم يعرفوا الحرب.

إنها ملحمة السوق. إنها حرب غريبة في كل الأحوال، حيث الأوامر فيها تكمن في البقاء في البيوت. في الحقيقة إنها كارثة أعظم من الحرب.

في الحرب نموت من أجل شيء ما، و ثمة معسكران. و لكن الفيروس محايد و يحاربه العالم أجمع.

الكوفيد – 19، ليست له راية، إنه لا يكره، و لا هدف له من حربه. ان المأساوي المؤلم في الأمر هو غياب المعنى، انه يكمن في العبث. عودوا إلى كامو.

*** أليس التشاؤم الفلسفي كسلا؟

نعم، وجهة نظرك سليمة، يُمكن أن يجعلك واضحا، ولامباليا أيضا.  يجدر بنا البقاء في بيوتنا، بما ان كل شيء يسير من السيئ إلى الأسوأ، نتذكر قول فيكتور هيغو “كل حكايات العصافير، تنتهي بقط”، ومخاطر خطئنا قليلة إن راهنّا على القط.

لكننا نستحضر بالأحرى مقولة غرامشي، التي هي في الأصل لرومان رولاند: ” تشاؤم الذكاء، و تفاؤل الإرادة”. لقد صارت مقولة مستهلكة، و لكنه من النادر ان ننجح في تحديد الفرق بينهما. يتطلب ذلك، أي أن يكون المرء، شيخا و شابا في ذات اللحظة….

شارل ديغول نجح في ذلك، لقد كان تماما مثل فاليري Valéry، متشائما بخصوص الطبيعة الإنسانية، و بصفة خاصة كما تعرفون طبيعة الفرنسيين،  فقد كان يقول أنهم “بقر”.

لكنه كان متفائلا بفكرة/ متصور لفرنسا مختلفة تماما علينا نحن الفرنسيين البائسين. لقد كان مُحقّا في قوله: ” إن فرنسا، قبل الفرنسيين، نحن نموت لأجلها، و هذا يُبرهنُ أنها شيء آخر أهم من الفرنسيين”.

و اليوم الذي تُصبح فيه أوروبا قبل الأوروبيين، يُمكننا أن نُخاطر بحياتنا من أجلها، و لكن هذا هو ما لا يرغب فيه الأوروبيون…. لقد خُلقت أوروبا أصلا لأجل هذا تماما…

*** لقد صُغتم نظرية الانحدار الحتمي للحضارات، هل تعتقدون ان الكوفيد-19، سيُسرّع ذلك، أم أنه سيمنحنا فرصة للتفكير في أمور أخرى؟

ستتسارع وتيرة الرقمنة. سيتم اختزال كل نواحي الحياة في شاشة. بالنسبة للبقية، أعتقد أنه علينا التفكير بطريقة جديدة، في كل الأمور القديمة، التي كنا على خطأ بإهمال التفكير فيها. الدولة، المصلحة العامة، الأمة.

ان نُفكّر في شيء آخر غير التبادل الحر المغشوش. الحوكمة الجديدة للادارة و خوصصة المرافق العمومية…. هل سيستيقظ اللبراليون، لينزلوا من عليائهم، ليُصبحوا جمهوريين وطنيين، هذا يدخل في مجال المعجزات الإيمانية.  فثمة من يؤمن بالسماء، و ثمة من لا يؤمن. انه أمر شخصي جدا.

 حاورته أنا كابانا Anna Cabana

 

من هو ريجيس ديبري

ريجيس ديبراي Régis Debray، فاعل سياسي و مفكر سلطة. كان مناضلا ثوريا إلى جانب فيدال كاسترو Fidel Castro و تشي غيفارا Tche Guevara و سلفادور الينديSalvador Allende في أمريكا اللاتينية، كما مارس السلطة مستشارا للرئيس الفرنسي فرنسوا ميتيران. اهتم ديبراي كثيرا بمسألة الإيمان والمعتقادات في المجتمعات، إذ يرى أن فكرة التعالي ضرورية لتحقيق الانسجام المجتمعي. ولا يُخفي ديبري دفاعه على قيم الجمهورية، وانتصاره للأمة الفرنسية، كما لا يخفي مخاوفه من الوحدة الأوروبية بالطريقة التي تُنجز بها، و انتبه إلى بروز الخبراء الذين دفعت بهم الكوفيد-19 الى الواجهة، وهل ستحول الكورونا هؤلاء خبراء عند سلطة جديدة تفرض قانونها الى السياسيين؟

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP