الجديد

المشهد التونسي .. المطلوب التغيير لا تدوير الأزمة  !

منذر بالضيافي

أعلن شوري النهضة، نهاية الأسبوع المنقضي، عن دعوته لتشكيل حكومة سياسية، في مسعى روج لها  في ثوب الخروج من الأزمة السياسية، التي تتمدد منذ أشهر، وتعرف فصولها المزيد من التعقيد، وهي مرشحة للاستمرار، في ظل “تمترس” الفاعلين الرئيسيين في الحكم بمواقفهم.

فالرئيس قيس سعيد، الطارىء على الحياة السياسية، والذي لم ينتخب على اساس برنامج ومشروع وطني، يشترط رحيل المشيشي وحكومته، والنهضة مرتبكة وتجد نفسها بين “المطرقة و السندان” كما يقال، فلا هي تثق بالرئيس سعيد، ولا هي مستعدة للتفريط في “العصفور النادر” ( المشيشي وحكومته ).

في الأثناء يفتك الوباء بألاف الأرواح، في معدل هو الأكبر في العالم العربي وافريقيا، ما وسع الهوة وأزمة الثقة بين التونسيين، والطبقة السياسية خاصة التي في الحكم، والحزب الرئيسي فيها ونعني طبعا حركة النهضة، التي _ وهي الطرف الرئيسي في ادارة البلاد منذ أكثر من 10 سنوات _ ، اكتفت بإدارة وتدوير الأزمة لا غير.

واختارت، تقديم مصلحة الحزب/ التنظيم، و “التمكين” لمشروعها السياسي، على الخروج بالبلاد من المأزق المركب الذي آلت اليه، والذي نقدر انه مرشح للاستمرار، وبالتالي المزيد من الانهيار، في ظل ادارة المجتمع  الدولي بظهره لتونس، ولتجربتها في الانتقال الديمقراطي، التي دخلت طور “الموت السريري”.

ان السمة الغالبة على المشهد التونسي، بعد 14 جانفي 2011 والى يوم الناس هذا ، هي توالد واستنساخ الأزمات، وعجز الطبقة السياسية عن ايجاد حلول لها، لذلك اختارت الركون لها بدل ادارتها وتجاوزها، وهو ما يعبر وفي المقام الأول، عن عجز الخيال السياسي، أو العقل السياسي، لنخبنا في الحكم والمعارضة على السواء، على تقديم بدائل وتصورات تنقذ البلاد مما تردت اليه، من أزمة شاملة ومركبة زادها الوباء تعقيدا.

فلا نلاحظ الا مقاربات تفتقد للابتكار والتجديد، بل لا نبالغ في شيء بالقول أن حكامنا الجدد _ منذ 14 جانفي الى اليوم _ يستنسخون حلولا قديمة لمشاكل مستعصية ومركبة. ان أزمة تونس معقدة ومركبة، ترجع جذورها الى أزمة الدولة الوطنية _ دولة ما بعد الاستقلال _ التي عجزت عن تأمين انتظارات وتتطلعات مواطنيها_ الأصح رعاياها _ وبعد نصف قرن انهار “أنموذج” هذه الدولة.

في المقابل بقت النخبة السياسية مشدودة الى ارث وبرامج هذه الدولة، خاصة في ما يتعلق بالخيار التنموي، وأن تكون الدولة وثرواتها وخيراتها بيد كل التونسيين ، و ما نلاحظه الان هو السير نحو اعادة انتاج أزمة الدولة الوطنية، في ظل أوضاع صحية واجتماعية وأمنية متفجرة داخليا وفي الاقليم وفي العالم، وفي ظل اصرار “النخبة السياسية” على مزيد الارتهان للخارج واعتبار “شرعيتهم”، من هذا الخارج وليس من رحم المجتمع المحلي.

ان استمرار الوضع الراهن مثلما هو عليه، ستكون نتائجه كارثية، مزيد من فقدان التضامن المجتمعي، ومزيد من تفكك مؤسسات الدولة، ولا يستبعد أيضا سيناريو “الفوضى” الذي نراه يطل برأسه، وذلك على غرار ما حصل ويحصل في العراق وسوريا ولبنان ( بدرجة أقل ).

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP